حين يختزل البعض حرباً معقّدة في تهمة “اللعب بالعواطف”

بواسطة أبوه مولاي ادريس

يكثر في أزمنة الصراع الكلام الانفعالي الذي يحاول تفسير الأحداث الكبرى بتفسيرات مبسطة حدّ السذاجة. ومن بين هذه الأطروحات ما يردده بعض الكتّاب خلف الأسماء المستعارة، حين يزعمون أن ما جرى في غزة لم يكن سوى “لعب بعواطف المغفلين”، وأن الصواريخ التي أطلقتها المقاومة لم تكن سوى خردة لا تخدش الأرض، وأن من دعمها لم يكن جاداً في دعمه.

هذا الطرح، على ما يبدو من حدّته، يقوم في الحقيقة على مجموعة من المغالطات التي لا تصمد أمام أي تحليل واقعي للصراع.

أولاً: مغالطة “الصواريخ الخردة”

لو كانت الصواريخ التي أطلقتها المقاومة مجرد خردة، كما يقال، لما اضطرت إسرائيل إلى بناء منظومات دفاعية باهظة التكلفة مثل منظومة القبة الحديدية. هذه المنظومة لم تُنشأ لمواجهة ألعاب نارية، بل للتعامل مع تهديد صاروخي حقيقي أربك المدن الإسرائيلية مراراً.

وخلال جولات القتال، خصوصاً في حرب غزة 2014 و حرب غزة 2021، وصلت الصواريخ إلى تل أبيب والقدس ومناطق بعيدة عن قطاع غزة. وقد اعترف قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم بأن آلاف الصواريخ أُطلقت خلال تلك المواجهات، وأن منظوماتهم الدفاعية اضطرت لاعتراض نسبة كبيرة منها.

فهل يُعقل أن تُغلق المطارات، وتتعطل الحياة الاقتصادية، ويهرع ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ بسبب “خردة لا تخدش الأرض”؟

إن هذا الوصف ليس تحليلاً عسكرياً، بل خطاب دعائي يهدف إلى التقليل من شأن الخصم أكثر مما يهدف إلى فهم الواقع.

ثانياً: سؤال بسيط يتجاهله أصحاب هذا الطرح

إذا كانت المقاومة في غزة قد حققت ما حققته بوسائل “تافهة”، فمن أين جاءت تلك الوسائل أصلاً؟

إن الحديث هنا لا يتعلق فقط بالصواريخ، بل بشبكات الأنفاق، والتقنيات العسكرية، وقدرات التصنيع المحلي التي ظهرت لدى كل من حركة حماس و حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

غزة منطقة محاصرة منذ سنوات طويلة، والمواد الاستراتيجية تخضع لرقابة مشددة. وبالتالي فإن تطوير منظومات عسكرية داخل هذا الحصار يتطلب خبرة تقنية، ونقلاً للمعرفة، وشبكات دعم خارجية.

وهنا يبرز الدور الذي تتحدث عنه كثير من الدراسات العسكرية، وهو الدعم الذي قدمته إيران في مجالات التدريب ونقل الخبرة وبعض التقنيات.

قد يختلف الناس في تقييم هذا الدور أو دوافعه السياسية، لكن إنكاره بالكامل لا يغير الحقيقة الأساسية: أن المقاومة لم تبن قدراتها في فراغ.

والسؤال الذي ينبغي أن يوجه لمن ينكر ذلك هو:
هل جاءت هذه الخبرة العسكرية من دول مثل الإمارات العربية المتحدة أو الكويت أو الأردن أو سلطنة عُمان؟
الواقع المعروف أن هذه الدول لم تقدم دعماً عسكرياً مباشراً للمقاومة الفلسطينية.

ثالثاً: الخلط بين الدعم وبين الدخول في حرب شاملة

من المغالطات الشائعة أيضاً افتراض أن الدولة التي تدعم طرفاً ما يجب أن تدخل الحرب بنفسها بكل ثقلها، وإلا اعتُبر دعمها “خداعاً”.

هذا التصور يتجاهل أبسط قواعد الاستراتيجية.

فالدول لا تتحرك بدوافع العاطفة، بل وفق حسابات معقدة تتعلق بموازين القوة، وباحتمالات التصعيد الإقليمي، وبردود الفعل الدولية، خصوصاً من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة.

ولهذا السبب تلجأ كثير من الدول في الصراعات المعاصرة إلى نمط من الحروب غير المباشرة: تقديم الدعم السياسي أو اللوجستي أو التقني دون الدخول في مواجهة مباشرة.

هذا ليس خداعاً، بل أسلوب معروف في إدارة الصراعات.

رابعاً: قراءة مبتورة لدور حزب الله

أما الحديث عن حزب الله وكأنه كان “يضرب أطباقاً مهجورة”، فهو أيضاً قراءة مبتورة للسياق.

فهذا التنظيم خاض حرباً شاملة مع إسرائيل في حرب لبنان 2006، وهي حرب اعترف كثير من المحللين بأنها شكلت نقطة تحول في توازن الردع على الجبهة الشمالية.

لكن لبنان نفسه دولة تعاني هشاشة اقتصادية وسياسية كبيرة. وفتح حرب شاملة جديدة قد يعني ببساطة تدمير البلد بأكمله.

ومن ثم فإن اختيار الاشتباك المحدود أو المحسوب لا يعني غياب القدرة أو الجدية، بل قد يكون نتيجة حسابات تتعلق بحماية مجتمع كامل من كارثة شاملة.

خامساً: المتغيرات الاستراتيجية

القدرات العسكرية ليست ثابتة عبر الزمن. ما تستطيع دولة أو حركة فعله في مرحلة معينة قد لا يكون ممكناً في مرحلة أخرى.

فالتطور الصناعي العسكري، والتحالفات الإقليمية، والظروف الدولية، كلها عوامل تغير ميزان القوة.

لذلك فإن مقارنة لحظة تاريخية بلحظة أخرى دون النظر إلى السياق السياسي والاستراتيجي ليست تحليلاً، بل تبسيطاً مخلّاً.

خلاصة القول

النقد السياسي مشروع، بل ضروري. لكن تحويل الصراعات الكبرى إلى قصص مبسطة عن “خداع الجماهير” أو “خردة لا تخدش الأرض” لا يخدم الحقيقة.

فالمقاومة في غزة لم تنشأ في فراغ، وقدراتها العسكرية لم تُبنَ من الهواء. كما أن الدول التي تدعمها لا تتحرك خارج حسابات القوة والتوازنات الدولية.

ومن يريد أن يفهم ما جرى حقاً عليه أن يتجاوز لغة الشعارات، وأن ينظر إلى الوقائع العسكرية والاستراتيجية كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.
 

حمادي سيدي محمد. آباتي