الوضع الموريتاني في مجال المحروقات: تحليل واقعي بين الاستقرار الهش والتبعية الهيكلية

بواسطة أبوه مولاي ادريس

يُعد قطاع المحروقات في موريتانيا من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا على الاقتصاد والحياة اليومية للمواطن. ورغم عدم وجود أزمات حادة في الإمدادات خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذا الاستقرار يخفي خلفه هشاشة بنيوية واعتمادًا شبه كامل على الخارج، ما يجعل البلاد عرضة لأي صدمة في السوق العالمي.
أولًا: بنية النظام الحالي للمحروقات في موريتانيا
تعتمد موريتانيا بشكل شبه كامل على استيراد الوقود، ولا تمتلك حتى الآن بنية متكاملة للإنتاج أو التكرير المحلي. ويتم التوريد أساسًا عبر شركة واحدة هي Addax Energy، التي فازت بمناقصات دولية وأصبحت المزود الرئيسي منذ سنوات.
يمر الوقود عادة عبر أوروبا، خاصة إسبانيا، حيث يتم تخزينه أو تكريره قبل شحنه إلى موريتانيا. لكن هذا المسار الجغرافي لا يعني استقلالًا عن السوق العالمي، لأن مصدر الطاقة الأصلي يظل مرتبطًا بأسواق النفط الدولية، خصوصًا الخليج.
ثانيًا: طبيعة التسعير وتأثير السوق العالمي
سعر الوقود في موريتانيا لا يُحدد محليًا بشكل مستقل، بل يرتبط مباشرة بالسوق العالمي (Brent وPlatts)، مع إضافة تكاليف النقل والتخزين وهوامش الربح.
هذا يعني أن:
أي ارتفاع في أسعار النفط عالميًا ينتقل مباشرة إلى موريتانيا حتى دون وجود نقص فعلي في الإمدادات ودون علاقة مباشرة بمسار الشحن بعبارة أوضح: موريتانيا جزء من سوق عالمي موحد، وليست نظامًا معزولًا
ثالثًا: تقييم صفقة Addax Energy
من الناحية التقنية الصفقة تعتبر: قانونية (عبر مناقصات)، مستقرة (إمدادات منتظمة)، عملية (لا تحتاج استثمارات كبيرة)
اما من الناحية الاقتصادية رغم ذلك، هناك تكلفة غير مباشرة: وهامش الوسيط (حوالي 2–5 دولار للبرميل) وهوما قد يعادل عشرات الملايين سنويًا وهذه ليست “خسارة فورية”، بل: تكلفة الاعتماد على وسيط بدل بناء نظام مستقل
رابعًا: لماذا يستمر هذا النموذج؟
هناك عدة عوامل تفسر استمرار الوضع الحالي: - سهولة الحل الحالي، نظام جاهزولا يحتاج قرارات معقدة ويضمن الاستقرار حاليا. -  ضعف البنية التحتية - غياب مصفاة محلية - محدودية التخزين الاستراتيجي - ضعف اللوجستيك الداخلي - توازن المصالح
فالشركة الموردة تستفيد من الاستقرار، بعض الفاعلين المحليين يستفيدون من استمرار النظام، الدولة تتجنب المخاطر السياسية المرتبطة بالتغيير
خامسًا: مقارنة مع البدائل (الجزائر نموذجًا)
قد يطرح خيار التعاون مع Sonatrach كبديل استراتيجي له عدة مزايا منها:
- دولة منتجة (استقرار، أعلى)
- إمكانية أسعار تفضيلية
- تعزيز السيادة الطاقوية
لكن لهذا الخيار تحديات منها:
ضعف البنية اللوجستية (نقل بري أو بحري معقد) , الحاجة لاستثمارات كبيرة. مخاطر سياسية وتنفيذية.
ومن هذا فان البديل الجزائري أفضل استراتيجيًا، لكنه غير جاهز عمليًا دون استثمار
 

سادسًا: مستوى الهشاشة في النظام الحالي
فرغم الاستقرار الظاهري، هناك ثلاث نقاط ضعف رئيسية: 
- الاعتماد الكامل على الخارج: فلا يوجد إنتاج محلي يغطي الطلب
- مورد رئيسي واحد: ضعف في المنافسة والتفاوض
- مخزون محدود: عدم القدرة على امتصاص الصدمات
سابعًا: متى يتغير هذا النظام؟
النظام الحالي لن يتغير إلا إذا أصبحت تكلفة بقائه أعلى من تغييره. وهذا قد يحدث في الحالات التالية:
- ارتفاع كبير ومستمر في أسعار النفط
- أزمة إمدادات (نقص فعلي في الوقود)
- دخول منافس قوي بشروط أفضل
- تحسن الموارد المالية (مثل عائدات الغاز)
- ضغط سياسي أو شعبي
ثامنًا: هل نحن قريبون من التغيير؟
الوضع الحالي يمكن وصفه بـ:
- استقرار… لكنه هش
- لا توجد أزمة حادة حاليًا
- الأسعار في مستوى متوسط
- الإمدادات مستقرة
لكن في المقابل: التوترات العالمية قائمة، الاعتماد الخارجي كامل، البدائل غير جاهزة
تاسعًا: السيناريوهات المستقبلية
هناك عدة سيناريوهات مستقبلية لا مناص من أحدها 
سيناريو الاستقرار: * استمرار الوضع الحالي ويعني لا تغيير جوهري 
سيناريو الضغط: * ارتفاع الأسعار ويعني بداية التفكير في التنوع 
سيناريو الأزمة: * حرب او تعطيل امدادات وهو ما يعني نقص وقود وتغيير سريع في السياسة 

عاشرًا: الطريق الواقعي للإصلاح
الإصلاح لا يكون عبر استبدال مفاجئ، بل عبر: تنويع الموردين. بناء تخزين استراتيجي وهو ما نلاحظ بدايته في الوقت الراهن. تطوير البنية التحتية. الدخول في شراكات دولية. تقليل الاعتماد تدريجيًا
 

من كل ما سبق نجد ان النظام الحالي للمحروقات في موريتانيا مقبول على المدى القصير وضعيف على المدى الطويل
ليس لأنه فاشل، بل لأنه يعتمد على الاستقرار بدل بناء القوة والسؤال الحقيقي ليس: هل الوضع يعمل اليوم؟ بل: هل سيصمد إذا تغير العالم غدًا؟