الرهان العسكري الكبير في الساحل

بواسطة أبوه مولاي ادريس

يرى عدد من المحللين أن ما يجري اليوم في منطقة الساحل يتجاوز بكثير مجرد الإعلان عن قوة عسكرية جديدة. فقرار تحالف دول الساحل إنشاء قوة مشتركة قوامها 15 ألف عنصر يعكس محاولة واضحة لاستعادة زمام المبادرة في المجال الأمني، بعد سنوات طويلة من الارتهان لفاعلين خارجيين. ويعبّر هذا التوجه، الذي تتبناه كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، قبل كل شيء عن إرادة سياسية تسعى إلى القطع مع تبعية بات يُنظر إليها على أنها غير فعالة.

عندما اجتمع رؤساء الأركان في واغادوغو في أبريل 2026، في إطار لجنة رؤساء الأركان الكونفدرالية، لم يعد الأمر يتعلق بتنسيق النوايا فحسب، بل بالبت في مسائل عملية ملموسة: كيف سيتم القيادة؟ كيف سيتم الانتشار؟ وكيف يمكن العمل بشكل مشترك؟ وهنا يكمن التحدي الحقيقي، إذ من الأسهل بكثير إعلان طموح مشترك من ترجمته إلى آليات عملياتية فعّالة.

تندرج هذه الدينامية في سياق رد فعل مباشر على محدودية تجربة مجموعة دول الساحل الخمس (G5). فعلى الرغم من الدعم الذي حظيت به من فرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لم تنجح هذه الآلية في تحقيق النتائج المرجوة على الأرض. ويعود ذلك أساسًا إلى اعتمادها البنيوي على الخارج، وهو ما أضعف مصداقيتها وفعاليتها معًا.

يسعى تحالف دول الساحل اليوم إلى طرح نموذج مختلف: أكثر تماسكًا، وأكثر انسجامًا سياسيًا، والأهم أنه أكثر سيادة. وفي هذا الإطار، يأتي الانفتاح على شركاء بديلين، مثل روسيا، ضمن استراتيجية تنويع الشراكات. غير أن هذه الرغبة في الاستقلالية تفرض في المقابل تحديات كبيرة، لا سيما في مجالات التمويل والتجهيز والتدريب، وهي عناصر حاسمة لضمان استدامة هذا المشروع.

من الناحية العسكرية، قد يبدو رقم 15 ألف عنصر مهمًا. غير أن طبيعة التهديدات في المنطقة، التي تقودها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، تطرح إشكالية الفعالية العملياتية. فهذه الجماعات تعتمد أساليب حرب غير تقليدية قائمة على الحركة السريعة والمفاجأة والتشتت، ما يقلل من أثر التفوق العددي التقليدي ويجعل من الاستخبارات والتنسيق عناصر حاسمة.

كما تمثل التحديات اللوجستية عاملًا حاسمًا آخر. فامتداد المجال الجغرافي للساحل، إلى جانب ضعف البنية التحتية، يعقّد بشكل كبير عمليات الانتشار والدعم المستمر للقوات. ويضاف إلى ذلك تفاوت العقائد العسكرية ومستويات الجاهزية بين جيوش الدول المعنية، مما يجعل إنشاء قيادة موحدة ومندمجة ضرورة لا غنى عنها.

وعلى المستوى الإقليمي، يثير بروز هذه المنظومة الأمنية الجديدة تساؤلات بشأن مواقف دول مثل موريتانيا، العضو السابق في مجموعة الساحل الخمس، وكذلك الجزائر، التي تتابع هذه التطورات بحذر نظرًا لما قد تحمله من انعكاسات على بيئتها الاستراتيجية وأمنها الحدودي.

في ظل هذا التحول المتسارع، لا يمكن لموريتانيا أن تكتفي بالمراقبة عن بعد. فظهور قوة عسكرية منظمة ضمن تحالف دول الساحل، إلى جانب استمرار التهديدات العابرة للحدود، يفرض على نواكشوط إدراك عمق التحولات الجارية. ورغم عدم انخراطها المباشر في هذه الدينامية، تظل موريتانيا عرضة، بحكم موقعها الجغرافي وتشابكاتها الأمنية الإقليمية، لتداعيات نجاح أو فشل هذه المبادرة. ومن ثم، يصبح الحفاظ على مستوى عالٍ من اليقظة، وتعزيز القدرات الوطنية، والتكيّف المستمر للأجهزة الأمنية، من الضرورات الاستراتيجية.

في المحصلة، يشكل مشروع القوة المشتركة لتحالف دول الساحل رهانًا استراتيجيًا كبيرًا. وتتوقف فرص نجاحه على قدرة الدول الأعضاء على تجاوز التحديات البنيوية وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض في مدى زمني معقول. وإلا، فإنه قد يعيد إنتاج إخفاقات التجارب السابقة بصيغة جديدة. وسيظل المعيار الحاسم هو مدى القدرة على تحويل هذا الطموح إلى تحسن فعلي في مستوى الاستقرار في منطقة لا تزال تعاني من الهشاشة.
 

بقلم أحمد محمد حمادة
كاتب ومحلل سياسي