افتتاحية: قضية "مدوّني الخارج والابتزاز".. إعادة الاعتبار للصحافة

بواسطة محمد محمد الأمين

بلغت ظاهرة التدوين غير الرسمي في موريتانيا مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع التنامي المتسارع لأعداد المدوّنين وغير المهنيين؛ حيث هيمن "مدوّنو الخارج والابتزاز" -الذين لا يمتون للمهنة بصلة- على المشهد الإعلامي، مزاحمين الصحافة التقليدية التي انحسرت إلى أضيق نطاق.

وما كان لهذا الوضع أن يتفاقم لولا وجود تواطؤ داخل أجهزة الدولة؛ إذ إن التحرير المفرط لقطاع الإعلام، وما واكبه من مساحة واسعة من الحرية التي يكفلها الإطار القانوني، أدى إلى انفجار في أعداد وسائل الإعلام المستقلة، والمنصات الرقمية، وصفحات "فيسبوك".

إن إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الصفحات، وما تحظى به من شعبية واسعة، جعل منها وسائل لا غنى عنها لنشر تدفق هائل من المعلومات. لكن المشكلة تكمن في أن كل ما يُنشر عبرها يتم في الوقت الفعلي دون أدنى تحقق، بل وتُستخدم في كثير من الأحيان بقصد الإضرار بالغير.

وهكذا، تحول هؤلاء المدوّنون -الذين يدير بعضهم صفحات يتابعها مئات الآلاف- إلى أسياد للمعلومة بقوة الأمر الواقع، رغم أنها في أغلب الأحيان معلومات غير موثقة، أو منحازة، أو موجهة بهدف التشهير.

وقد صدق الروائي الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو حين قال قبل وفاته في فبراير 2016: "لقد منحت شبكات التواصل الاجتماعي الحق في الكلام لجيوش من الحمقى الذين كانوا قبل ذلك لا يتحدثون إلا في الحانات ولا يسببون ضرراً للمجتمع؛ إذ كان يتم إسكاتهم فوراً. أما اليوم، فلهم الحق في الكلام نفسه الذي يتمتع به حائز على جائزة نوبل".

وبالعودة إلى قضية المدوّنين التي تشغل الرأي العام الموريتاني منذ أيام، فإن لها فضل تنبيهنا جميعاً، وتنبيه السلطات، إلى ضرورة تطهير قطاع الصحافة، وإعادة الاعتبار للمهنة، ومنحها شرفها المستحق.

نتذكر أنه في مطلع التسعينيات، استطاعت الصحافة الموريتانية -رغم شح الموارد البشرية آنذاك- أن تثبت وجودها بجدارة وتساهم في البناء الديمقراطي. كانت صحافة ذات جودة، يقودها رجال مشبعون بالكفاءة والقناعة، نجحوا في تسيير المهنة عملياً دون إمكانيات، وسار كل شيء على ما يرام.

هذا هو النموذج الذي يجب إحياؤه؛ فمصلحة البلاد تقتضي ذلك. ففي عالم أصبحت فيه المعلومة سلاحاً فتاكاً، وأمام تحديات الذكاء الاصطناعي، بات لزاماً إنشاء مؤسسات صحفية صلبة، ومواكبتها، وضمان وصولها العادل للمعلومة والإشهار.

وفي قضية المدوّنين الحالية، تشير التقديرات إلى أن الرشاوى المدفوعة لقناصة التشهير والتضليل تقترب من مليار أوقية؛ وهو هدر حقيقي للموارد، في وقت تكافح فيه مؤسسات صحفية محترمة، منخرطة في الاتصال من أجل التنمية، لتغطية نفقاتها.

بكاري كي