من داخل الموالاة: عتاب إلى الرئيس… أين أصبح إنصاف لمعلمين؟

بواسطة عبد الله لبات

ليس كل نقد للسلطة خروجاً عليها، وليس كل عتاب معارضةً لمشروعها. أحياناً يكون النقد الصادر من داخل الموالاة أكثر صدقاً من التصفيق، لأن الموالاة التي لا تستطيع أن تعاتب تتحول، مع الوقت، من سند سياسي إلى مجرد جمهور.

ومن هذا الموقع تحديداً، يأتي هذا الكلام. فنحن لا نكتب ضد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ولا ننكر عليه ما تحقق في عهده، ولا نعلن اليوم تغييراً في موقف سياسي. بل على العكس، إننا نتحدث من موقع من ساندوا الرجل ومشروعه، ومن وقفوا إلى جانبه في محطات سياسية وانتخابية مختلفة.

لكننا نكتب اليوم باسم العتاب. والعتاب هنا ليس على الرئيس لأنه لم يمنح هذه الشريحة ما تطلبه، وإنما على الفارق الذي بدأ يتسع بين خطاب الإنصاف والمواطنة الذي سمعناه، وبين ما نراه في واقع المشاركة في إدارة البلد وصناعة القرار.

لقد تحدث الرئيس مراراً عن المواطنة، وعن ضرورة تجاوز التراتبية الاجتماعية، وعن دولة لا تميز بين مواطنيها على أساس الانتماءات الاجتماعية. وهذه كلمات لا يمكن إلا أن نرحب بها.

لكن السؤال الذي أصبح مشروعاً اليوم هو: متى يتحول هذا الخطاب إلى واقع يشعر به أبناء لمعلمين؟

لقد مرت سنوات المأمورية الأولى، وتوشك المأمورية الثانية على نهايتها، ولم يعد كافياً أن نكرر أن الدولة تريد تجاوز التفاوتات الاجتماعية.

نحن بحاجة إلى أن نرى ذلك التجاوز في المؤسسات، وفي الإدارة، وفي مواقع صناعة القرار، وفي فرص المسؤولية، وفي الحضور السياسي الحقيقي.

ولنكن واضحين:نحن لا نطالب بمحاصصة شرائحية.ولا نطالب بأن يُعيَّن شخص في منصب لأنه من لمعلمين. ولا نريد دولة تُقسم المناصب فيها بين القبائل والشرائح.هذا ليس ما نطالب به.

بل نطالب بعكس ذلك تماماً.

نريد دولة يكون فيها ابن لمعلمين قادراً على الوصول إلى أعلى مواقع المسؤولية بكفاءته، وبمواطنته، وباستحقاقه، لا باعتباره ممثلاً لشريحة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحديث عن رفض المحاصصة ذريعة لعدم معالجة اختلال تاريخي في فرص الوصول إلى مواقع القرار.

فالقول إن الدولة لا ينبغي أن توزع المناصب على أساس شرائحي صحيح.

لكن الصحيح أيضاً أن الدولة مطالبة بأن تتأكد من أن أبوابها مفتوحة فعلاً أمام الجميع.

وهنا تحديداً، يحق لنا أن نسأل الرئيس: أين أبناء لمعلمين في خريطة صناعة القرار خلال سنوات حكمكم؟

وأين حضور الكفاءات التي تنتمي إلى هذه الشريحة في المواقع التي تصنع السياسات، لا فقط في المواقع التنفيذية العادية؟

 

وأين السياسيون والحقوقيون الذين وقفوا مع مشروعكم، ودافعوا عنه، وساهموا في إنجاح خياراته السياسية؟

هل كان المطلوب منهم أن يكونوا حاضرين فقط عندما تحتاج السلطة إلى أصواتهم، ثم يصبح الحديث عنهم بعد ذلك حديثاً عن «المحاصصة»؟

هذا السؤال لا نطرحه من موقع الخصومة. بل من داخل الموالاة.

نحن الذين ساندنا الرئيس نقول له اليوم: المساندة السياسية ليست شيكاً على بياض، والوفاء لا يعني الصمت.

لقد وقفت هذه الشريحة، من خلال عدد من سياسييها وحقوقييها ونخبها، في صف الرئيس في محطات كان يمكن فيها اتخاذ مواقف أخرى.

ولم يكن ذلك، في نظر كثير منهم، بحثاً عن منصب أو امتياز. بل كان الرهان على مشروع دولة.

كان الرهان على أن خطاب المواطنة والإنصاف الذي رفعه الرئيس يمكن أن يتحول إلى واقع.

لكن السنوات تمضي والمأمورية الثانية تقترب من نهايتها.

وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: ماذا تحقق في هذا الملف؟

ليس من المنصف أن يقال إن كل شيء بقي كما كان، كما أنه ليس من المنصف أن يقال إن المشكلة حُلّت.

والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها هي أن الترقية الاجتماعية والسياسية لا تزال أبطأ من الخطاب الرسمي عنها وهذه ليست مشكلة لمعلمين وحدهم بل إنها مشكلة دولة.

لأن الدولة التي تريد أن تتجاوز التراتبية الاجتماعية لا يكفيها أن تقول إن الجميع متساوون؛ عليها أن تجعل المواطن يرى هذا التساوي في حياته العامة.

إن المواطن لا يقيس المواطنة بالخطب فقط. بل يقيسها بمن يجلس إلى جانب الوزير. ومن يصبح والياً.

وبمن يتولى مؤسسة عمومية وبمن يشارك في صناعة القرار وبمن يجد أمامه طريقاً مفتوحاً عندما يمتلك الكفاءة.

وهنا أقول للرئيس، من موقع من لم يغيّر موقفه السياسي: لقد ساندناك لأننا صدقنا خطابك عن المواطنة. فلا تجعلنا نضطر إلى الدفاع عن الخطاب أكثر مما نستطيع أن ندافع عن نتائجه.

إنصاف لمعلمين لا يحتاج إلى صدقة سياسية. ولا يحتاج إلى تعيينات رمزية ولا يحتاج إلى مؤتمر جديد أو خطاب جديد.

إنه يحتاج إلى قرار سياسي هادئ وشجاع يجعل الكفاءة معياراً حقيقياً للوصول، ويضمن أن لا تبقى بعض الشرائح أسيرة تاريخها الاجتماعي مهما بلغت كفاءات أبنائها.

والأهم من ذلك أن المطلوب ليس أن يقول الرئيس: (أعطوني أسماء من لمعلمين لأعينهم) 

بل أن يقول: (افتحوا كل الأبواب أمام الموريتانيين، ولن يكون الانتماء الاجتماعي عائقاً أمام أحد.)

هذا هو الإنصاف الحقيقي.وهذا هو الفرق بين معالجة الشرائحية وبين القضاء عليها.

 

فإذا كنا نريد فعلاً موريتانيا لا تحكمها التراتبية الاجتماعية، فعلينا أن ننتقل من مرحلة تمثيل الشرائح إلى مرحلة تكافؤ المواطنين.

لكن الانتقال إلى هذه المرحلة لا يمكن أن يتم بالقفز فوق الواقع. فالواقع له تاريخ، وله اختلالات، وله موازين متراكمة.

ومن يريد بناء مساواة حقيقية عليه أولاً أن يعترف بهذه الاختلالات، ثم يعمل على تصحيحها.

ولهذا فإن عتابنا للرئيس ليس لأنه لم يمنح لمعلمين ما يكفي من المناصب.

بل لأننا نريد منه، قبل نهاية مرحلته، أن يترك وراءه دولة يشعر فيها أبناء لمعلمين، كما يشعر غيرهم، أن الطريق إلى المسؤولية مفتوح أمامهم.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يسمعها الرئيس من داخل الموالاة، لا من خارجها:

نحن لم نغادر صفك، لكننا لا نريد أن يغادر الإنصاف أجندتك.

ولسنا نطلب مكافأة على مواقفنا السياسية.

نطلب فقط أن يكون للمواطن الذي وقف مع الدولة، ودافع عن مشروعها، وآمن بخطابها، مكان كامل داخل هذه الدولة.

لقد اقتربت المأمورية من نهايتها، وربما لم يعد أمام الرئيس الكثير من الوقت.

لكن ما زال أمامه ما يكفي ليجعل قضية الإنصاف الاجتماعي جزءاً من إرثه السياسي والمؤسسي، لا مجرد جزء من خطابه.

وهذا، في النهاية، هو العتاب الحقيقي: يا سيادة الرئيس، نحن صدقنا خطاب المواطنة.

وساندنا مشروع الدولة.ولم نطلب يوماً دولة لمعلمين.

نريد فقط دولةً لا يكون فيها لمعلمين أقل من غيرهم.

وهذا مطلب لا ينبغي أن يخيف الموالاة، ولا السلطة، ولا الدولة.

بل ينبغي أن يكون أحد أهدافهم.

 

عبدالله لبات