في المؤسسات الكبرى، لا تُقاس قيمة القادة بحجم الضجيج الذي يرافق حضورهم، ولا بكثرة ظهورهم في المشهد العام، وإنما بما يتركونه من أثر في بنية المؤسسة، وبما يضيفونه إلى قدرتها على أداء رسالتها، وبما يرسخونه من قيم تظل قائمة بعد مغادرتهم مواقع المسؤولية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الفريق محمد فال ولد الرايس، قائد الأركان العامة للجيوش، بعيدًا عن المبالغة في المدح أو الانخراط في السجال الذي كثيرًا ما يحيط بالمناصب الكبرى.
فالرجل الذي وصل إلى قيادة المؤسسة العسكرية بعد مسار مهني طويل، لم يدخلها من خارج منظومتها، وإنما جاء إليها من داخل تجربتها وتفاصيلها، متنقلاً بين مسؤوليات ومواقع أتاحت له معرفة دقيقة ببنية الجيش واحتياجاته، وبخاصة في مجال العتاد والتجهيز والتخطيط. وقد سبق أن شغل منصب قائد الأركان العامة للجيوش المساعد، كما تولى مسؤوليات مرتبطة بإدارة العتاد، قبل أن يتولى قيادة المؤسسة في نهاية ديسمبر 2024.
ولعل هذه الخلفية المهنية هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم أسلوبه في القيادة.
قيادة لا تحتاج إلى رفع الصوت
ثمة نمط من القيادة العسكرية يقوم على الحضور الصارخ وإظهار القوة، في حين أن نمطًا آخر أكثر هدوءًا يقوم على بناء السلطة المهنية من خلال المعرفة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار.
ويبدو أن الفريق محمد فالولد الرايس ينتمي إلى النمط الثاني.
فالمتابع لخطابه وممارسته منذ توليه قيادة الأركان يلاحظ أن الرجل لا يقدم القيادة باعتبارها سلطة فوقية فحسب، وإنما باعتبارها مسؤولية جماعية. ففي خطابه عند تسلمه مهامه، تحدث عن قيادة تشاركية ذات بعد إنساني، تقوم على الإصغاء وتقدير المواقف وفهم الواقع، وربط قوة المؤسسة العسكرية بقدرة أفرادها على التعاون والانسجام.
ففي أكتوبر 2025، وخلال اجتماعه بضباط المنطقة العسكرية الخامسة، عاد الرجل إلى المفاهيم نفسها، رابطًا بين العدالة والانضباط، وبين صرامة القيادة والتوازن في العقوبة والمكافأة، ومؤكدًا أهمية معرفة المرؤوسين والتواصل معهم وحل مشاكلهم. كما دعا إلى الجمع بين المهنية والإنسانية في شخصية القائد العسكري.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات شخصيته القيادية: الحزم دون خشونة، والانضباط دون ظلم، والقرب من الأفراد دون الإخلال بالتراتبية العسكرية.
دماثة الأخلاق ليست ضعفًا في القائد
في الثقافة العامة، قد يُنظر أحيانًا إلى الهدوء ودماثة الأخلاق باعتبارهما صفات شخصية لا علاقة لها بالقيادة، خصوصًا في المؤسسة العسكرية.
لكن التجربة الحديثة في الإدارة والقيادة المؤسسية تقول شيئًا مختلفًا.
فالقائد الذي يستطيع أن يحافظ على هيبة المؤسسة دون أن يحولها إلى خوف، وأن يفرض الانضباط دون أن يحوله إلى إذلال، وأن يستمع إلى مرؤوسيه دون أن يفقد سلطة القرار، يمتلك نوعًا أكثر نضجًا من القوة.
وهذا الجانب تحديدًا يبدو حاضرًا في شخصية الفريق محمد فال ولد الرايس كما يظهر من خطابه وممارسته.
فالعدالة التي يكررها في توجيهاته ليست مجرد قيمة أخلاقية، وإنما ينظر إليها باعتبارها أداة لبناء الثقة داخل المؤسسة. وقد شدد صراحة على ضرورة إنصاف العسكريين في المسابقات والترقيات والتكوين والامتيازات، وعلى أن القائد لا يستطيع أن يطلب الطاعة الحقيقية إذا لم يكن عادلًا مع مرؤوسيه.
وهنا تتجاوز دماثة الأخلاق معناها الشخصي لتتحول إلى منهج في الإدارة
من إدارة العتاد إلى إدارة منظومة القوة
ومن الخطأ أيضًا اختزال رؤية الفريق ولد الرايس في الجانب الإداري أو في المحافظة على الانضباط الداخلي.
فمساره السابق في مجال العتاد والتجهيز يمنحه زاوية مختلفة في فهم القوة العسكرية.
فالجيش الحديث لا تقاس قوته بعدد أفراده أو كمية الأسلحة التي يمتلكها فقط، وإنما بقدرته على تحويل الموارد البشرية والتقنية واللوجستية إلى منظومة متكاملة للردع والدفاع والجاهزية.
ومن هنا تكتسب خبرة ولد الرايس في مجال العتاد أهمية خاصة؛ فقد ظهر اسمه في هذا المجال قبل توليه قيادة الأركان، كما توثق منشورات الجيش مشاركته في ملفات تتعلق بالتجهيز والمنشآت واللوجستيات والتعاون العسكري.
والأهم أن هذه الرؤية لا تفصل بين السلاح والإنسان.
ففي زيارته لمركز تدريب الجيش الوطني بأكجوجت، لم يقتصر اهتمامه على الوسائل والمرافق، بل ركز على مستوى التكوين، وظروف المتدربين، والبنية التعليمية، ورفع المعنويات، وغرس قيم الوفاء والتضحية وشرف الجندية، إلى جانب المحافظة على العتاد باعتباره مالًا عامًا ووسيلة للدفاع عن الوطن.
وهذه نقطة جوهرية في فهم مشروعه القيادي:
فالتحديث العسكري عنده لا يبدأ من السلاح وينتهي عند السلاح؛ بل يبدأ من الإنسان الذي يستخدم السلاح.
الاستثمار في الإنسان جزء من القوة العسكرية
ومن أكثر المؤشرات دلالة على هذه الرؤية اهتمامه بالتكوين. فالمؤسسة العسكرية الحديثة لا تستطيع مواكبة التحولات المتسارعة في التكنولوجيا العسكرية والاتصال والاستطلاع واللوجستيات دون الاستثمار المستمر في العنصر البشري.
ولهذا فإن الاهتمام بمراكز التدريب والمدارس العسكرية ليس نشاطًا ثانويًا في منظومة الدفاع، بل هو استثمار مباشر في مستقبل القوات المسلحة.
وفي هذا السياق، شهدت الثانوية العسكرية بنواكشوط خلال السنوات الأخيرة نتائج دراسية لافتة، فيما تحدثت قيادة الثانوية في 2026 عن تحديث البنية التحتية وتوفير المستلزمات التربوية، وربطت ذلك بالعناية التي تحظى بها المؤسسة من قيادة الأركان العامة للجيوش. وقد بلغت نسبة النجاح في البكالوريا خلال السنة الدراسية 2025-2026 نحو 95.45%، وبلغت نسبة النجاح في ختم الدروس الإعدادية 98%.
كما أن اهتمام قيادة الأركان بمؤسسات التكوين العسكري المتخصصة، ومنها المدرسة العسكرية لأعوان الصحة، يؤكد أن بناء القوة لا ينفصل عن بناء الكفاءة المهنية داخل مختلف مكونات المؤسسة.
القوة العسكرية في بيئة إقليمية متغيرة
ولا يمكن قراءة أداء أي قيادة عسكرية موريتانية بمعزل عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بالبلاد.
موريتانيا تقع في فضاء إقليمي شديد الحساسية، تتقاطع فيه تحديات الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية والتوترات السياسية والأمنية في منطقة الساحل، فضلًا عن اتساع المجال الجغرافي الذي يتعين على الدولة تأمينه.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح الجاهزية العسكرية والتعاون الإقليمي والدولي جزءًا من منظومة الأمن الوطني.
ومن اللافت في عهد الفريق ولد الرايس اتساع نشاط التعاون العسكري مع عدد من الدول، فقد استقبلت الأركان العامة للجيوش خلال الفترة الماضية وفودًا عسكرية من دول مختلفة، كما جرى تعزيز التعاون العسكري مع السنغال والمغرب والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها. وفي أغسطس 2026، اختتمت اجتماعات عمل موريتانية-سنغالية بتوقيع محضر تعاون عسكري بين الطرفين.
وهذا النوع من الدبلوماسية العسكرية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشاط بروتوكولي؛ فالتعاون العسكري الحديث أصبح جزءًا من بناء القدرات، وتبادل الخبرات، والتدريب، وتطوير الجاهزية، وتعزيز قدرة الدول على التعامل مع التحديات المشتركة.
بين الصرامة والإنسانية
ربما تكمن أهم ملامح تجربة الفريق ولد الرايس في محاولته الجمع بين عنصرين تبدو العلاقة بينهما متناقضة للوهلة الأولى: الصرامة العسكرية والبعد الإنساني. فالصرامة، في مفهومه، ليست قسوة، والإنسانية ليست تساهلًا.
إنما تقوم القيادة الفعالة، وفق هذا التصور، على قواعد واضحة: الكفاءة تُكافأ، الخطأ يُصحح، المخالفة تُعاقب، والحقوق تُصان.
وقد أكد في أكثر من مناسبة أن العقوبة والمكافأة يجب أن تطبقا بعدالة، وأن الاعتراف بالكفاءة جزء من الانضباط، وأن القائد مطالب برفع معنويات مرؤوسيه واحترامهم.
وهذه المعادلة هي التي تجعل دماثة الأخلاق قيمة قيادية وليست مجرد صفة شخصية.
فالقائد الذي يملك القدرة على الإنصاف يصبح أكثر قدرة على بناء الثقة، والقائد الذي يبني الثقة يصبح أكثر قدرة على فرض الانضباط، والانضباط المبني على الثقة أكثر استدامة من الانضباط المبني على الخوف.
أما الضجيج.. فلا يصنع تقييمًا مهنيًا
من الطبيعي أن تثير المناصب الكبرى اختلافًا في التقييم، وأن تظهر حولها قراءات سياسية وإعلامية متباينة.
لكن تقييم قائد مؤسسة عسكرية بحجم الأركان العامة للجيوش ينبغي أن يخضع لمعايير مهنية واضحة: مساره، قراراته، قدرته على إدارة المؤسسة، مستوى الجاهزية، تنمية الموارد البشرية، تطوير منظومات العمل، المحافظة على العتاد، وتماسك المؤسسة.
أما الشائعات والتأويلات الشخصية والحملات الإعلامية، فلا يمكن أن تكون أساسًا جادًا للحكم على تجربة قائد عسكري.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل رد على المنتقدين ليس الدخول معهم في سجال، وإنما ترك المؤسسة ووقائعها تتحدث.
فالتاريخ المهني الطويل لا يُمحى بتعليق، والسمعة المهنية لا تُبنى بمنشور، كما أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من الضجيج.
رجل المؤسسة قبل رجل المنصب
ربما يكون هذا هو الوصف الأقرب إلى شخصية الفريق محمد فال ولد الرايس: (رجل مؤسسة قبل أن يكون رجل منصب.)
فالمنصب العسكري مهما علا يظل مؤقتًا، بينما المؤسسة هي التي تستمر.
والقائد الذي يفكر بمنطق المنصب يبحث عن تثبيت صورته، أما القائد الذي يفكر بمنطق المؤسسة فيبحث عن تثبيت قواعد العمل، ورفع الكفاءة، وتطوير القدرات، وإعداد من سيحملون المسؤولية بعده.
ومن خلال خطابه وممارسته، تبدو هذه الفلسفة حاضرة في مقاربة الفريق ولد الرايس: جيش منضبط، عادل مع أفراده، مستثمر في تكوينهم، حريص على عتاده، منفتح على التعاون العسكري، ومتمسك بمهمته الأساسية في الدفاع عن الوطن.
ولذلك فإن قيمة الرجل لا ينبغي أن تُختزل في عدد السنوات التي يقضيها في قيادة الأركان، ولا في حجم المديح الذي يُكتب عنه، وإنما في ما إذا كان قد أسهم في جعل المؤسسة أكثر مهنية، وأكثر تماسكًا، وأكثر جاهزية، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
وإذا كان للقيادة العسكرية معنى يتجاوز إصدار الأوامر، فإن جوهرها يكمن في القدرة على تحويل الرؤية إلى مؤسسة، والانضباط إلى ثقافة، والكفاءة إلى أداء، والقوة إلى حماية.
وفي هذا المعنى تحديدًا، تبدو تجربة الفريق محمد فال ولد الرايس جديرة بالقراءة بعيدًا عن ضجيج المواقف العابرة؛ لأن الرجل الذي اختار، بحسب ما يظهر من مساره وخطابه، أن يجعل من الهدوء والانضباط والإنصاف أدوات للقيادة، قدّم نموذجًا مختلفًا للقوة: قوة لا تحتاج إلى استعراض نفسها، لأنها تعرف أن قيمتها الحقيقية تقاس بما تحميه، وبما تبنيه، وبما تتركه وراءها.
عبد الله لبات







