الاجتماع الرباعي في طهران: إطار النظام الإقليمي الجديد/السفير جواد أبو علي

بواسطة أبوه مولاي ادريس

جواد أبو، سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موريتانيا

 

الاجتماع الرباعي في طهران: إطار النظام الإقليمي الجديد

 

إن الاجتماع الأخير الذي جمع كبار المسؤولين الأمنيين في أربع دول، هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتركيا والمملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية، في طهران، يبشّر بتبلور رؤية إقليمية مشتركة لمعالجة الأزمات المتفاقمة في منطقة غرب آسيا وتسويتها.

وتتمثل أبرز المؤشرات والدلالات التي يحملها اجتماع طهران فيما يلي:

1- توصل أهم الفاعلين الإقليميين في منطقة غرب آسيا إلى قناعة مفادها أن الحل لإنهاء الأزمات يكمن في تحقيق التوافق الإقليمي والاعتماد على القدرات والإمكانات المتاحة داخل المنطقة.

2- إن تداعيات العدوان العسكري المشترك الذي شنّته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تقتصر على إيران وحدها، بل سرعان ما امتدت إلى مناطق أخرى. وتُظهر الاحتجاجات الأخيرة في أوروبا أنه لا يمكن افتراض إمكانية حصر الأزمة في نقطة جغرافية محددة. فالأزمة التي تصيب دولة واحدة ليست أزمة تخص تلك الدولة وحدها، بل هي أزمة تطال الجميع. وحتى الولايات المتحدة، بصفتها الطرف المعتدي، لم تسلم من تداعيات هذه الحرب وأضرارها.

3- الأمن ليس سلعة يمكن شراؤها أو استيرادها. فقد أدركت دول منطقة غرب آسيا أن أمنها أصبح مهدداً خلال الحرب المفروضة على إيران، لأن القواعد الأمريكية الموجودة في هذه الدول أُنشئت واستُخدمت لخدمة المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى، وهي تتحول اليوم أيضاً إلى بؤر لعدم الاستقرار وانعدام الأمن في المنطقة. وفي المقابل، فإن الأمن النابع من القدرات الذاتية والإمكانات الداخلية يوفّر الاستقرار ويعززه.

4- تُعدّ إمكانات الطاقة والاقتصاد ورؤوس الأموال، إلى جانب العلوم والتكنولوجيا والدين الإسلامي، من أهم المقومات المتوافرة لدى دول منطقة غرب آسيا. وإذا جرى توظيف هذه الإمكانات بصورة متكاملة، فإنها ستعزز بعضها بعضاً، وتُكمل بعضها بعضاً، بما يمكّن المنطقة من التحول إلى أحد أهم مراكز القوة على مستوى العالم.

5- إن نهاية أي حرب، مهما طالت مدتها، تكون عبر الدبلوماسية. ومن الأهمية بمكان إدراك ضرورة أن تؤدي الدبلوماسية دورها في وقت مبكر، وألا يُسمح للحرب بالاستمرار حتى إطلاق الرصاصة الأخيرة. فكل تفاهم يتم التوصل إليه بعد حروب مدمرة تكون قيمته أقل بكثير من قيمة الدبلوماسية الحكيمة التي تتحرك في وقت مبكر. ولذلك، فإن تفعيل المسار الدبلوماسي في الوقت المناسب من شأنه أن يجنب المنطقة الكثير من الخسائر والدمار.

6- لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلال الحربين المفروضتين الأخيرتين، قدرتها على الدفاع عن نفسها. وأي حرب أخرى تُشنّ ضد إيران ستواجه برد إيراني سريع وقوي ورادع، يجعل المعتدي يندم على قراره. وقد باتت منطقة غرب آسيا تدرك اليوم أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يشكلان مصدرًا لانعدام الأمن والتهديد والحروب في المنطقة. ومن شأن التفاهم الإقليمي والتوافق بين دول المنطقة أن يحولا دون نزعاتهما الحربية، وأن يحدّا من الخسائر والدمار الناجمين عن سياساتهما.

بعد عقود من انعدام الأمن وعدم الاستقرار، تقف منطقة غرب آسيا اليوم أمام مرحلة أصبحت فيها أكثر عرضة من أي وقت مضى لتهديدات وجودية. وإن السبيل الوحيد لاحتواء هذه التهديدات والانتقال نحو مرحلة ما بعد الأزمات هو تحقيق التوافق والإجماع الإقليميين.

إن بعض الفرص التاريخية تكون محدودة ونادرة، ولا تظل متاحة إلا لفترة وجيزة. والفاعلون الذين يتحلون بالحكمة والرؤية الاستراتيجية، ويدركون قيمة هذه الفرص، يستطيعون اتخاذ خطوات عملية تضمن بقاء بلدانهم وأمنها، وتعزز استقرار المنطقة، لعقود مقبلة.