تحت قبة البرلمان: اختلال التوازن وحدود النقد/ أحمد محمد حماده

بواسطة أبوه مولاي ادريس

لا يُفترض بالبرلمان أن يكون مسرحًا للصخب أو ساحةً لتبادل الأدوار، بل فضاءً مؤسسيًا واضح الوظائف، تُدار فيه الخلافات السياسية بعقل الدولة ومنطق الحُجّة. ومع ذلك، يكشف المشهد البرلماني الموريتاني، في كثير من محطاته، عن اختلالات بنيوية في التوازن والخطاب والأدوار، دون أن يعني ذلك تعميم الفشل أو نفي وجود ممارسات برلمانية جادة ومشرفة.
فعلى مستوى العلاقة بين الموالاة والمعارضة، يظل ميزان القوة مختلًا. تميل الموالاة، بحكم التفوق العددي وقربها من السلطة التنفيذية، إلى أداء وظيفة التزكية أكثر من ممارسة الرقابة، فتمرّ مشاريع القوانين بوتيرة سريعة، ويُغلَّب منطق الانسجام السياسي على النقاش والتعديل. وفي المقابل، تتحرك المعارضة داخل هامش ضيق، تُكثّف فيه من الاعتراض والنقد، لكنها تصطدم بواقع عددي وإجرائي يجعل من تأثيرها التشريعي محدودًا، ما يحوّل جزءًا من فعلها إلى تعبير رمزي أكثر منه أداة تغيير فعلي.
غير أن هذا الواقع، على اختلاله، لا يلغي حقيقة أن داخل البرلمان نوابًا يُحسنون فهم أدوارهم، ويمارسون الرقابة بجدية، ويُديرون تدخلاتهم بلغة مسؤولة وحجج دقيقة. هؤلاء، وإن كانوا أقل حضورًا في المشهد الإعلامي، يُمثّلون رصيدًا حقيقيًا للمؤسسة التشريعية، ويؤكدون أن الخلل ليس قدَرًا، بل نتاج ممارسات قابلة للتصحيح.
وتتعمق الإشكالية حين يختلط الخطاب وتضيع الحدود بين المواقع. فقد أصبح من المألوف أن يتصدى بعض النواب، خصوصًا من الموالاة، للدفاع عن السياسات الحكومية وكأنهم وزراء، فيردّون نيابة عن أعضاء الحكومة، ويبررون قرارات تنفيذية لا تدخل ضمن اختصاصهم الدستوري. وهذا السلوك، مهما كانت مبرراته، يُفرغ الرقابة البرلمانية من مضمونها، ويُربك منطق المساءلة، إذ إن النائب يُفترض أن يُحاسب الوزير لا أن يحلّ محله.
ويُضاف إلى ذلك تراجع مستوى الخطاب في بعض الجلسات، حيث تطغى السوقية اللفظية، والإساءة، والتجريح الشخصي، على حساب النقاش الهادئ حول السياسات العمومية. وحين تُستبدل مواجهة الأفكار بتبادل الاتهامات، يفقد البرلمان هيبته، وتتراجع صورته في نظر الرأي العام، دون أن يستفيد أي طرف من هذا الانحدار.
ومع كل هذه الملاحظات النقدية، لا يمكن القفز إلى استنتاجات سوداوية. فالبرلمان، رغم اختلالاته، يظل فضاءً ضروريًا للنقاش العلني، ومنبرًا مؤسسيًا وحيدًا لتقاطع المواقف السياسية داخل الدولة. كما أن وجود أصوات برلمانية مسؤولة ومتماسكة يُثبت أن الإصلاح ممكن، وأن الارتقاء بالأداء ليس رهين النصوص بقدر ما هو رهين الإرادة والممارسة.
إن استعادة الدور الحقيقي للبرلمان الموريتاني تمرّ عبر مسار واقعي لا عدمي: تعزيز التوازن بين المساندة والرقابة، احترام الفصل بين أدوار النائب والوزير، والارتقاء بالخطاب من منطق الإساءة إلى منطق الفكرة. وحده هذا المسار كفيل بتحويل البرلمان من ساحة تجاذب عقيم إلى مؤسسة فاعلة، تُسهم في بناء ديمقراطية هادئة، وتعيد للمواطن ثقته في ممثليه، رغم كل العثرات.