الفساد في موريتانيا: حين تتحول الدولة إلى مجال لتقاسم النفوذ

بواسطة أبوه مولاي ادريس

لم يعد الفساد في موريتانيا مجرد انحراف إداري أو حالات معزولة، بل أصبح بنية شبه مستقرة تتحكم في توزيع الموارد، وتعيد تشكيل العلاقات داخل الدولة والمجتمع. ما يثير القلق ليس فقط حجم الفساد، بل طبيعته العلنية أحيانًا، واندماجه في آليات التسيير اليومي.

الفساد المالي: نهب مغطى بالإجراءات

الفساد المالي لم يعد يعتمد على الأساليب البدائية، بل تطور ليأخذ شكل منظومة متكاملة تُستخدم فيها الأدوات القانونية نفسها كغطاء. التعيين في موقع إداري حساس يفتح المجال أمام التحكم في الصفقات العمومية، حيث تُفصل دفاتر الشروط أحيانًا على مقاس شركات بعينها، أو يتم تضخيم الفواتير بشكل ممنهج.

تقارير محكمة الحسابات في موريتانيا كشفت في أكثر من مناسبة عن اختلالات خطيرة، من بينها:

منح صفقات دون احترام مساطر المنافسة

صرف أموال لمشاريع لم تُنجز أصلًا أو أُنجزت بجودة متدنية

غياب التتبع المالي الدقيق لعدد من المؤسسات العمومية
 

كما رصدت تقارير المفتشية العامة للدولة حالات تسيير وصفت بـ"غير المنضبط"، شملت تحويلات مالية غير مبررة، واستعمال موارد عمومية لأغراض شخصية أو فئوية.

في هذا السياق، لا يصبح الفساد مجرد سرقة، بل عملية “تقنين للنهب”، حيث تُستعمل الوثائق الرسمية لتبرير اختفاء المال العام.

الفساد السياسي: سلطة مغلقة تعيد إنتاج نفسها

المشهد السياسي والإداري يكشف عن نمط متكرر: تداول المناصب داخل دائرة ضيقة من الأسماء والعائلات والشبكات. هذا النمط لا يقوم فقط على الولاء، بل على تبادل المصالح، حيث تُوزع المناصب كجزء من توازنات غير معلنة.

النتيجة هي إقصاء شبه ممنهج للكفاءات التي لا تنتمي إلى هذه الشبكات، وتحويل الوظيفة العمومية إلى امتياز بدل أن تكون مسؤولية. في بعض القطاعات، يظهر بوضوح أن المسار المهني لا يُبنى على الجدارة، بل على الانتماء.

هذا الوضع يخلق مفارقة قاسية: دولة تعلن رسميًا التزامها بمبدأ تكافؤ الفرص، بينما تُدار فعليًا بمنطق الامتيازات.

الفساد الأخلاقي: تطبيع الانحراف

أخطر تحولات الفساد في موريتانيا هو انتقاله من كونه سلوكًا مدانًا إلى ظاهرة شبه مقبولة اجتماعيًا. لم يعد السؤال: “هل هذا فساد؟” بل “هل لديك القدرة على الاستفادة؟”.

هذا التحول يعكس تآكلًا في المعايير الأخلاقية، حيث يصبح النجاح مرتبطًا بالقدرة على الالتفاف على القانون، لا باحترامه. ومع مرور الوقت، يُعاد تعريف القيم نفسها: النزاهة تُفسر كعجز، والثراء السريع يُقدَّم كدليل ذكاء.

تقارير الرقابة: تشخيص بلا أثر كافٍ

رغم خطورة ما تكشفه هيئات الرقابة، يبقى الأثر العملي محدودًا. التقارير تصدر، الاختلالات تُوثق، لكن المتابعة القضائية أو الإدارية لا ترقى غالبًا إلى مستوى تلك الخلاصات.

في حالات عديدة، يتم الاكتفاء بإجراءات إدارية خفيفة، أو يُطوى الملف دون محاسبة واضحة. هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: ما جدوى الرقابة إذا لم تُترجم إلى مساءلة فعلية؟

خطاب محاربة الفساد: أزمة مصداقية

السلطة ترفع بشكل متكرر شعار محاربة الفساد، وتعلن عن لجان وتحقيقات، وهو أمر لا يمكن إنكاره. لكن الإشكال يكمن في الانتقائية وعدم الاستمرارية.

حين يرى الرأي العام أن بعض الأسماء التي وردت في تقارير رسمية تعود إلى مواقع المسؤولية، تتراجع الثقة في جدية المواجهة. محاربة الفساد لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بمدى استمرارية المحاسبة وشمولها.

بين الردع والإصلاح

المطالبة بالحزم الشديد في مواجهة الفساد تعكس حالة من الإحباط العام، وهي مفهومة. لكن التجارب المقارنة تُظهر أن الردع وحده، إذا لم يكن جزءًا من منظومة إصلاح شاملة، قد يتحول إلى إجراء ظرفي.

الإصلاح الحقيقي يمر عبر:

قضاء مستقل قادر على ملاحقة الفساد دون تدخل

نظام صفقات شفاف وقابل للتتبع

إدارة رقمية تقلل من فرص التلاعب

حماية فعلية للمبلغين

كسر احتكار النخب للمناصب
 

خاتمة

الفساد في موريتانيا ليس مجرد خلل إداري، بل أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع. استمراره بهذا الشكل لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يضرب فكرة الدولة العادلة في أساسها.

المعركة ضد الفساد ليست تقنية فحسب، بل سياسية وأخلاقية في آن واحد. إما أن تتحول إلى مشروع وطني حقيقي، أو تبقى مجرد شعار يتآكل مع الزمن.


 

حمادي سيدي محمد آباتي