مكطع لحجار… حين يتحول العطش إلى عنوان للفشل التنموي

بواسطة أبوه مولاي ادريس

لم يعد عطش مدينة مكطع لحجار مجرد أزمة عابرة يمكن تفسيرها بندرة المياه أو بتقلبات المناخ، بل أصبح عنوانًا صارخًا لاختلالات التخطيط، وغياب الحكامة، واستسهال العبث بالمشاريع العمومية.
فما تعيشه المدينة اليوم لم يكن قضاءً مفاجئًا، وإنما نتيجة طبيعية لمسار طويل من الأخطاء الفنية، والتنازلات السياسية، والصمت المريب لمن يفترض أنهم يمثلون السكان ويدافعون عن مصالحهم.

لقد أكدت الدراسة الأصلية لمشروع تزويد مكطع لحجار بالمياه من بوحشيشة ضرورة اعتماد أنابيب بقطر خمسين سنتيمترًا، حتى تضمن قوة التدفق واستمراريته، غير أن التنفيذ جرى بطريقة مغايرة تمامًا، حيث استبدلت تلك الأنابيب بأخرى لا يتجاوز قطرها ثلاثين سنتيمترًا، في مخالفة فنية واضحة كانت كفيلة منذ البداية بزرع بذور الأزمة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى إدخال مدينة شكار ضمن المشروع رغم أنها لم تكن أصلًا جزءًا منه، دون مراجعة القدرة الإنتاجية للمولدات، ولا توسيع شبكة الأنابيب بما يتناسب مع الطلب الجديد. وهكذا بدأ مشروع صُمم لتغطية مدينة واحدة يتحمل أعباء مدن وقرى إضافية، دون أي تكييف هندسي أو تقني يواكب هذا التوسع المرتجل.

ثم جاءت أخطاء المسار لتزيد الوضع تعقيدًا، إذ كان من المفترض – حسب الدراسة – أن تمر الأنابيب عبر أرض منبسطة حفاظًا على قوة الضخ والتدفق، لكن ذلك لم يُحترم، ما انعكس سلبًا على وصول المياه إلى المدينة، خصوصًا في أوقات الذروة.

ومع مرور الوقت، تحولت الشبكة إلى ما يشبه الجسد المثخن بالجراح.
فقد أُحدثت فتحات متعددة على طول الخط في كيمي، والجزيرة، والصفاء، وادوبرم، ولكراع، فضلًا عن الفتحات السرية التي يحفرها بعض القرويين ثم يردمون آثارها لإخفائها، وهو ما تسبب في استنزاف مستمر للمياه بين بوحشيشة وشكار، ثم بين شكار ومكطع لحجار، وأخيرًا بين مكطع لحجار وصنكرافة.

أما الكارثة الأكبر، فهي أن شكار وصنكرافة انضمتا رسميًا إلى المشروع، بينما بقيت قدرة المولدات كما هي، وبقي قطر الأنابيب كما هو، وكأن المياه يمكن أن تتضاعف بالنيات الحسنة أو بالشعارات السياسية.

ومع ذلك، فإن الحلول ليست مستحيلة، بل إنها متاحة وواضحة لكل من يريد إنقاذ المدينة بدل استثمار معاناتها سياسيًا.

فمن الممكن فصل شبكة شكار عن شبكة مكطع لحجار، بحيث تمتلك كل مدينة مولدها الخاص وشبكة أنابيب مستقلة، وهو ما سيخفف الضغط بشكل مباشر على المدينة. كما يمكن حفر آبار ارتوازية لصالح القرى الصغيرة، تعمل بالطاقة الشمسية، خاصة أن عدد سكان تلك القرى محدود، والمياه الجوفية المتوفرة بالمنطقة قادرة على تلبية حاجاتها المحلية، حتى وإن كانت عاجزة عن سد احتياجات مدينة كبيرة كمكطع لحجار.

أما صنكرافة، فمن المنطقي ربطها بأشرم التي لا تبعد عنها سوى خمسين كيلومترًا، بدل استمرار الضغط العبثي على شبكة منهكة أصلًا.

غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في ضعف البنية التحتية، بل أيضًا في صمت جزء من الأطر والمنتخبين والموظفين المنحدرين من مكطع لحجار، ممن آثروا الارتهان لمن يمنحهم نصيبًا من “الكعكة”، على حساب الدفاع عن مدينة عطشى وسكان مسحوقين لا يملكون رفاهية الانتقال إلى العاصمة كما فعل غيرهم.

لقد تصرف كثيرون وكأنهم ذلك السنجاب الذي يرضى بأن يُسلخ جلده مقابل حفنة زرع، فخسر الجلد والزرع معًا.

إن مكطع لحجار لا تحتاج خطابات موسمية، ولا بيانات تخدير، بل تحتاج مراجعة جذرية، وقيادات تمتلك الشجاعة للدفاع عنها، لا الاكتفاء بتمثيلها شكليًا.

فالمدن لا تموت بالعطش وحده، بل تموت أيضًا حين يصمت أبناؤها القادرون على الكلام.
حمادي سيدي محمد آباتي