قد يبدو السؤال بسيطا: هل القراءة تجعلك كاتبا؟ فالكاتب في النهاية هو من يكتب، لكنني اعتقد ان السؤال الحقيقي اكثر عمقا من ذلك: كيف يمكن لانسان ان يكتب اذا لم يكن قد قرأ؟
انا لا اؤمن بفكرة الكاتب الذي يبدأ من فراغ، وكأن الكلمات والافكار والاساليب تولد معه مكتملة. قد يولد الانسان بموهبة، وقد يمتلك حسا جميلا باللغة، وقد تكون لديه قدرة على التعبير، لكن الموهبة وحدها لا تصنع كاتبا.
الكتابة تحتاج الى لغة، واللغة تحتاج الى قراءة. وتحتاج الى افكار، والافكار تحتاج الى معرفة. وتحتاج الى خيال، والخيال يتغذى مما نقرأه ونراه ونعيشه ونفكر فيه.
ولهذا ارى ان القراءة ليست شيئا يفعله الكاتب في وقت فراغه، بل هي جزء من تكوينه نفسه.
لكن هنا قد يعترض احدهم ويقول: هناك اشخاص يكتبون دون ان يقرأوا كثيرا، فلماذا نقول انه لا يوجد كاتب بلا قراءة؟
والاجابة في رأيي ان الانسان قد يكتب فعلا دون ان يفتح كتابا، لكن الكتابة شيء، وصناعة الكاتب شيء اخر.
قد تكتب افكارا جميلة من تجربتك الشخصية، وقد تكون صادقا ومؤثرا، لكنك مع الوقت ستحتاج الى كلمات لم تعرفها، وافكار لم تفكر بها، واساليب لم تجربها، وزوايا لم تنظر منها الى العالم. وهنا تأتي القراءة.
فالكاتب لا يقرأ لكي يقلد الاخرين، بل لكي يعرف كم طريقة يمكن ان تروى بها الحكاية الواحدة.
يقرأ، فيكتشف ان الفكرة التي ظنها بسيطة يمكن ان تصبح عميقة، وان موقفا عاديا قد يتحول الى قصة، وان كلمة واحدة قد تحمل شعورا كاملا، وان الصمت احيانا يمكن ان يكون اكثر بلاغة من عشرات الجمل.
والاجمل ان الكتاب الذي نقرؤه لا ينتهي فعلا عندما نصل الى صفحته الاخيرة. قد نغلق الكتاب، لكن شيئا منه يبقى فينا: فكرة، سؤال، شخصية، جملة، شعور، او حتى طريقة جديدة في النظر الى الحياة.
ومع كل كتاب، يتسع العالم داخل الكاتب قليلا.
وهنا اعتقد ان العلاقة بين القراءة والكتابة ليست علاقة معلم بتلميذ، بل علاقة غذاء بجسد. كما لا يمكن للجسد ان يعيش طويلا بلا غذاء، لا يمكن لعقل الكاتب ان يستمر في انتاج الافكار وهو لا يسمح للافكار الجديدة بالدخول اليه.
لكنني لا اقول ان كل قارئ سيصبح كاتبا. القراءة تفتح الباب، لكنها لا تجبرك على الدخول.
قد تقرأ مئات الكتب ولا تكتب سطرا واحدا، وقد تقرأ كتابا واحدا بعمق فيغير شيئا كاملا في داخلك. فالكاتب لا يصنعه عدد الكتب التي قرأها، وانما ما فعلته القراءة بطريقة تفكيره ونظرته الى العالم وقدرته على التعبير.
ولهذا، عندما يقول شخص: اريد ان اصبح كاتبا، لكنني لا احب القراءة، اشعر ان هناك تناقضا في الفكرة نفسها.
فكيف تريد ان تبني بيتا من الكلمات، وانت لا تريد ان تدخل البيوت التي بناها الاخرون قبلك؟
كيف تريد ان تصنع اسلوبك، وانت لا تريد ان ترى اساليب غيرك؟
وكيف تريد ان تقول شيئا جديدا، وانت لا تسمح لنفسك بأن تعرف ما قيل قبلك؟
لا يعني هذا ان الكاتب يجب ان يقرأ كل شيء، او ان يقلد من سبقه، او ان يحفظ الكتب عن ظهر قلب. على العكس، احيانا تكون افضل فائدة للقراءة ان تجعلك تعرف ما الذي تريد ان تقوله انت، لا ما قاله الاخرون.
فالكاتب يقرأ كثيرا، ثم ينسى كثيرا، ثم يحتفظ في داخله بما يشبهه، وبعد ذلك يبدأ صوته الخاص بالظهور.
ولهذا اؤمن ان الكاتب لا يكتب فقط بالحبر، بل بكل ما قرأه وفكر فيه وشعر به وعاشه.
قد لا يظهر اثر كل كتاب قرأه في نصه، لكن شيئا من تلك الكتب سيبقى هناك، مختبئا بين كلماته، في طريقة اختياره لفكرة، او بناء جملة، او وصف شعور، او طرح سؤال.
وفي النهاية، ربما لا تجعل القراءة كل قارئ كاتبا، لكنني اؤمن بشدة ان الكاتب الذي يتوقف عن القراءة يبدأ شيئا فشيئا في نفاد ما لديه.
فالكاتب يحتاج ان يكتب لكي يعبر،
ويحتاج ان يعيش لكي يشعر،
ويحتاج ان يفكر لكي يفهم،
ويحتاج ان يقرأ لكي يجد شيئا يستحق ان يكتب.
وربما لهذا السبب لا ارى القراءة بابا يؤدي الى الكتابة فقط، بل اراها الارض التي تنبت فيها الكتابة اصلا.
فاذا كانت الكتابة هي صوت الكاتب، فان القراءة هي الاصوات الكثيرة التي علمته كيف يجد صوته.
هل القراءة تجعلك كاتبا؟ /ياسين محمد براهيم الخليل







