بين العدالة والتشهير: المحاظر الشنقيطية في مواجهة محاكم الرأي العام

بواسطة أبوه مولاي ادريس

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير الحر وتبادل المعلومات، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محاكم موازية تصدر أحكامها خارج الضوابط القانونية، وتؤسس لنوع من “العدالة الانفعالية” التي تتجاوز مبدأ قرينة البراءة وتضع الأفراد والمؤسسات تحت ضغط الإدانة الجماهيرية. وفي خضم هذا التحول، تبرز إشكالية خطيرة حين يتعلق الأمر بمؤسسات علمية ذات امتداد حضاري عميق، كما هو الحال مع المحاظر الشنقيطية.
لقد أثارت حادثة وفاة طفل في إحدى المحاظر موجة واسعة من التفاعل والغضب، وهي حادثة مؤلمة ومأساوية تستوجب تحقيقاً قضائياً شفافاً وتحديداً دقيقاً للمسؤوليات، بما يضمن تحقيق العدالة وإنصاف الضحية. غير أن تحويل هذا الحدث إلى مدخل لإدانة مؤسسة المحظرة في ذاتها يمثل تعميماً غير منصف، ويتجاوز حدود المساءلة القانونية إلى استهداف رمز علمي وثقافي راسخ في الوجدان الجماعي. فالخطأ، مهما كانت جسامته، يبقى فعلاً معزولاً لا يجوز أن يتحول إلى حكم شامل على مؤسسة تربوية شكلت عبر قرون أحد أهم روافد العلم والمعرفة في المنطقة.
إن المحظرة الشنقيطية ليست مجرد فضاء تعليمي تقليدي، بل هي مؤسسة حضارية تشكلت في سياق تاريخي واجتماعي خاص، حيث نشأت في بيئة صحراوية قاسية جعلت من المعرفة الوسيلة الأساسية لصيانة الهوية الثقافية والدينية. فكانت المحظرة المدرسة والجامعة والمكتبة في آن واحد، وأسست نموذجاً تربوياً قائماً على مركزية العلم، والتكوين الشامل للإنسان، وترسيخ قيم الزهد والانضباط والاستقلال المعرفي.
وقد قامت المحظرة على فلسفة تعليمية متميزة تقوم على الحرية العلمية والعلاقة المباشرة بين الشيخ والطالب، وعلى منهجية الحفظ العميق والفهم والتدرج في تحصيل العلوم، دون الارتباط ببنية مؤسسية جامدة أو سلطة مركزية. ولم تكن مجرد فضاء لحفظ النصوص، بل مركزاً لإنتاج المعرفة، حيث ازدهرت فيها علوم الفقه وأصوله، واللغة العربية، والبلاغة، والمنطق، والتفسير، والحديث، والحساب، والفلك، مما أسهم في تكوين شخصية العالم الموسوعي.
ولم يكن إشعاع المحظرة محلياً فحسب، بل امتد إلى مختلف مناطق غرب إفريقيا، حيث لعبت دوراً محورياً في نشر التعليم الديني واللغة العربية وتعزيز التواصل الحضاري بين المجتمعات. وقد عرفت بلاد شنقيط تاريخياً بأنها أرض العلماء، وذاع صيت علمائها في المشرق والمغرب، وأسهموا في إثراء الحركة العلمية الإسلامية عبر الحواضر الكبرى.
ومن منظور سوسيولوجي، مثلت المحاظر إحدى أهم آليات الحراك الاجتماعي في المجتمع، حيث أتاحت فرص التعلم والترقي العلمي خارج البنى السلطوية، وأسهمت في إنتاج نخب علمية وفكرية لعبت دوراً مركزياً في حفظ التماسك الاجتماعي وبناء المرجعية الدينية المعتدلة.
وعند النظر إلى تجربة المحظرة في سياق تاريخ التعليم الإسلامي، يتضح أنها تمثل نموذجاً معرفياً موازياً لما عرفته الحواضر الإسلامية الكبرى من جامعات تقليدية كالأزهر في القاهرة، والقرويين في فاس، والزيتونة في تونس. فهذه المؤسسات نشأت في سياق حضري مؤسسي مرتبط بنظام الوقف والرعاية السياسية، وتطورت إلى مراكز علمية منظمة ذات هياكل إدارية ومناهج محددة ونظام إجازات علمية، وأسهمت في توحيد المرجعية الدينية وإنتاج النخب الرسمية.
ورغم وحدة المقصد الحضاري بين النموذجين في مركزية العلوم الشرعية وتكوين العالم أخلاقياً وعلمياً، فإن الاختلاف يكمن في طبيعة البنية والتنظيم. فالمحظرة تمثل نموذج التعليم الأهلي الحر المستقل عن السلطة السياسية، بينما تمثل الجامعات التقليدية نموذج المعرفة المؤسسية المرتبطة بالبنية الحضرية والدولة. وإذا كانت هذه الجامعات تعكس استقرار المعرفة في إطار مؤسسي منظم، فإن المحظرة تجسد مرونة التعليم واستقلاله وتحرره من البيروقراطية، وهو ما يمنحها قيمة حضارية خاصة في تاريخ الفكر الإسلامي.
ومن هذا المنظور، فإن اختزال هذا الإرث الحضاري في حادثة معزولة يمثل قراءة اختزالية تتجاهل عمق التجربة التاريخية ودورها في تشكيل الهوية الثقافية للمجتمع. كما لا ينبغي أن تتحول مثل هذه الحوادث إلى موجة يركبها بعض المتطرفين في خطابهم الإقصائي للنيل من المحظرة أو التشكيك في مشروعيتها التاريخية، لأن النقد المشروع للممارسات الخاطئة يختلف عن استهداف المؤسسات الرمزية أو محاولة تقويض دورها الحضاري.
إن المجتمعات الحية لا تدافع عن مؤسساتها بدافع التعصب، بل انطلاقاً من وعي بدورها التاريخي، مع الانفتاح في الوقت ذاته على تطويرها وتصحيح اختلالاتها وفق مقتضيات العصر. فالمحظرة، باعتبارها مؤسسة بشرية، ليست معصومة من الخطأ، لكنها تظل إطاراً حضارياً يستوجب الإصلاح لا الإلغاء، والتطوير لا التشويه.
وفي المقابل، فإن تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة لمحاكمة الأفراد والمؤسسات لا يخدم الحقيقة، بل قد يعرقل مسار العدالة ذاته، لأن العدالة لا تقوم على ضغط الرأي العام ولا على الانفعال الجماهيري، وإنما على الأدلة والإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة. كما أن خطاب السبّ والتشهير لا يسهم في إحقاق الحق، بل يعكس تراجعاً في مستوى النقاش العام ويؤسس لثقافة الإدانة المسبقة.
إن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحقيق التوازن بين المساءلة القانونية الصارمة عند وقوع الأخطاء، وبين حماية المؤسسات العلمية من التوظيف الأيديولوجي أو الاستهداف الممنهج. فالعدل لا يتحقق بالتشهير، والإصلاح لا يقوم على الهدم، وصون الإرث الحضاري لا يتعارض مع تطبيق القانون، بل يكتمل به.
ويبقى العدل قيمة عليا لا تحتمل الانتقائية، ولا تستقيم إلا في ظل تحقيق شفاف، ومسار قضائي مستقل، وخطاب عام مسؤول يميز بين الخطأ الفردي والمؤسسة، وبين النقد المشروع والتوظيف الأيديولوجي، وبين الانفعال والإنصاف.
 

بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي