خطة 2026–2030: طموح مُعلن على محكّ الواقع الاجتماعي

بواسطة أبوه مولاي ادريس

في وقت تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع تصاعد التطلعات الاجتماعية، شرعت موريتانيا في إعداد خطة التنمية للفترة 2026–2030. ورغم تقديمها كرافعة لتسريع التحول الاقتصادي، فإن هذا الإطار الاستراتيجي الجديد يتجاوز طابعه التقني ليطرح سؤالاً أعمق: هل البلاد مستعدة للانتقال من تراكم الإصلاحات إلى تحقيق تحول فعلي في بنيتها الاقتصادية؟

فخلف خطاب الإرادة الإصلاحية، تظل الإشكالية الجوهرية هي مسألة الأثر. إذ تُبرز السلطات ما تصفه بـ«رصيد معتبر» من الإصلاحات الهيكلية، من بينها اعتماد الميزانية الموجهة بالبرامج وتسريع رقمنة العمل العمومي. ولا شك أن هذه الخطوات تعكس تحديثاً في أدوات الحوكمة، غير أنها تظل في جوهرها وسائل لا غايات. فقيمتها الحقيقية لا تُقاس بمجرد اعتمادها، بل بقدرتها على إحداث تحول ملموس في الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتقليص الفوارق الاجتماعية.

ويعكس اللجوء إلى مكتب دولي لمواكبة إعداد الخطة رغبة في الاستفادة من خبرة تقنية تتماشى مع المعايير الدولية. من تشخيص معمق إلى إعداد سيناريوهات مستقبلية وتحديد مؤشرات الأداء، تبدو المقاربة منهجياً متماسكة. غير أن هذا الخيار لا يخلو من إشكالات، إذ يطرح تساؤلات حول عمق المشاركة الوطنية وقدرة المؤسسات المحلية على استيعاب الأدوات المنتجة. ففي العديد من التجارب المشابهة، تحولت المقاربات التشاركية إلى مجرد إجراء شكلي محدود التأثير في القرار النهائي.

بل إن هذا الخيار يكشف أيضاً عن هشاشة بنيوية، تتمثل في غياب آليات وطنية متماسكة قادرة على إنتاج هذا النوع من الهندسة الاستراتيجية. ولا يتعلق الأمر بنقص في الكفاءات بقدر ما هو خلل في التنظيم، وضعف في تراكم الخبرات، وغياب للاستقلالية المؤسسية. وما دامت الخبرة الاستراتيجية تُستورد من الخارج، فإن جزءاً من السيادة القرارّية يظل رهيناً بعوامل خارجية. قد يكون هذا الخيار مبرراً على المدى القصير، لكنه يفرض على المدى المتوسط أولوية واضحة: بناء قدرات وطنية قادرة على تصميم السياسات العمومية وقيادتها وتقييمها بشكل مستقل.

ويؤكد دعم منظومة الأمم المتحدة لهذا المسار، من خلال الإشادة بالمقاربة «الموجهة نحو النتائج»، تحوّلاً في فلسفة العمل التنموي: لم يعد المعيار هو عدد المشاريع أو حجمها، بل أثرها القابل للقياس. غير أن هذا التحول يفرض متطلبات صارمة، من بينها توفر بيانات موثوقة، وآليات تقييم فعالة، وقدرة مؤسسية على ربط التمويل العمومي بالنتائج المحققة.

غير أن التجارب المقارنة تدعو إلى قدر من الحذر. فالفجوة بين جودة التصور وفعالية التنفيذ تظل التحدي الأكبر. إذ لم تفشل العديد من الخطط بسبب ضعف الرؤية، بل نتيجة اختلالات في التنفيذ، من قبيل البيروقراطية، وضعف التنسيق، ونقص الموارد البشرية المؤهلة. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في صياغة خطة جديدة، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتطبيق والاستمرار.

كما أن الطموح المعلن بتحقيق تحول اقتصادي وخلق وظائف مستدامة يضع الخطة أمام معادلة معقدة: تنويع القاعدة الإنتاجية من جهة، وضمان إدماج اليد العاملة الوطنية في هذه التحولات من جهة أخرى، في ظل ضغط ديمغرافي متزايد وسوق عمل لا يزال محدود الهيكلة.

في نهاية المطاف، ستُقاس مصداقية هذه الخطة بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. فالقوة الشرائية، واستقرار الأسعار، وتوفر فرص العمل، هي المعايير الحقيقية للحكم على السياسات العمومية. أما الأرقام المعلنة والاستراتيجيات المرسومة، فتبقى بلا وزن إن لم تُترجم إلى تحسين ملموس في ظروف العيش. فالتنمية التي لا يشعر بها المواطن تظل، في نظره، مجرد وعد مؤجل.

هكذا تبدو خطة 2026–2030 لحظة مفصلية. إما أن تمثل بداية تحول فعلي في نموذج التنمية، أو أن تنضم إلى قائمة الخطط الطموحة التي اصطدمت بحدود التنفيذ. وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل ستكون هذه الخطة أداة فعل، أم مجرد إضافة جديدة إلى سجل الطموحات .

بقلم احمد محمد حماده 
كاتب ومحلل سياسي