أثار مشروع تعديل النظام الأساسي لضباط الجيش الوطني نقاشًا واسعًا، وانقسمت الآراء بين من اعتبره محاولة لإقصاء بعض الضباط المتقاعدين من الحياة السياسية، ومن رأى فيه خطوة ضرورية لترسيخ الدولة المدنية. وبين هذين الموقفين، قد يكون من المفيد النظر إلى الموضوع من زاوية أكثر هدوءًا، تنطلق من افتراض حسن النية، أي أن الهدف الحقيقي للمشروع هو بناء ديمقراطية مستقرة، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي بصورة تدريجية.
لقد عاشت موريتانيا منذ الاستقلال علاقة معقدة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. فالجيش لم يكن مجرد مؤسسة أمنية، بل تحول في مراحل عديدة إلى فاعل سياسي مباشر، تولى السلطة أو أسهم في إعادة تشكيلها. ومن الطبيعي أن يكون الانتقال من هذا الواقع إلى نموذج الدولة المدنية عملية طويلة ومعقدة، لا يمكن أن تتم بقرار واحد.
ولهذا فإن نجاح أي إصلاح من هذا النوع لا يقاس بصرامته، وإنما بقدرته على تحقيق التحول دون أن يهز استقرار الدولة أو يخلق انقسامات جديدة.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من الحكمة ألا يُنظر إلى العسكريين الذين دخلوا الحياة السياسية في مراحل سابقة باعتبارهم جزءًا من المشكلة التي يجب تصحيحها، وإنما باعتبارهم أبناء مرحلة تاريخية كانت قواعدها مختلفة. فقد التحق هؤلاء بالعمل السياسي في وقت لم يكن فيه هذا الفصل بين العسكري والسياسي قائمًا بهذا الوضوح، بل كان الانتقال من المؤسسة العسكرية إلى السلطة السياسية جزءًا من الواقع السياسي الموريتاني.
أما إذا كانت الدولة قد قررت اليوم تغيير هذا الواقع، فإن المنطق الإصلاحي يقتضي أن يبدأ تطبيق القواعد الجديدة على من سيلتحقون بالتقاعد بعد صدور القانون، لأنهم سيكونون على علم مسبق بالالتزامات التي يرتبها. وبهذا يتحقق مبدأ الأمن القانوني، وتُحترم الحقوق المكتسبة، ويُفتح في الوقت نفسه عهد جديد للعلاقة بين الجيش والسياسة.
هذا الأسلوب ليس استثناءً موريتانيًا، بل هو منهج اتبعته دول عديدة عند تنفيذ إصلاحات دستورية ومؤسسية كبرى، إذ غالبًا ما تكون القواعد الجديدة موجهة إلى المستقبل أكثر من كونها وسيلة لإعادة محاكمة الماضي.
كما أن التدرج يمنح المؤسسة العسكرية نفسها الوقت الكافي لاستيعاب التحول الثقافي المطلوب، بحيث تصبح عقيدة الضابط المهني قائمة على أن مستقبله ينتهي بخدمة الدولة داخل المؤسسة العسكرية، لا بالانتقال إلى المنافسة السياسية بعد التقاعد.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهينًا بشرط أساسي، وهو أن يقتنع الجميع بأن القانون ليس موجهًا ضد أشخاص أو تيارات معينة، وإنما يمثل سياسة دولة دائمة، ستطبق على جميع الضباط مستقبلاً دون تمييز أو انتقائية أو استثناءات.
فإذا تحقق ذلك، فإن القانون لن يكون مجرد تعديل إداري، بل سيكون بداية انتقال تاريخي من مرحلة كانت فيها المؤسسة العسكرية أحد أهم الفاعلين السياسيين، إلى مرحلة يصبح فيها الجيش مؤسسة جمهورية محترفة تقف على المسافة نفسها من جميع الفاعلين السياسيين، وتحمي الدستور بدل أن تكون طرفًا في التنافس على السلطة.
إن الديمقراطية لا تُبنى فقط عبر الانتخابات، وإنما أيضًا عبر إعادة رسم الحدود بين المؤسسات. وإذا كانت موريتانيا قد اختارت اليوم أن تجعل السياسة شأنًا مدنيًا خالصًا، فإن الحكمة تقتضي أن يتم هذا الانتقال بهدوء، وبالتدرج، وباحترام الماضي دون أن يبقى أسيرًا له.
فالإصلاحات الكبرى لا تنجح لأنها تعاقب ما كان، بل لأنها ترسم بوضوح ما ينبغي أن يكون.
عبد الله لبات







