يُعدّ تحصين عدد المأموريات الرئاسية من أبرز الآليات الدستورية التي اعتمدتها الدول الساعية إلى ترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة ومنع إعادة إنتاج الحكم خارج الأطر الديمقراطية. وفي الحالة الموريتانية، أعادت الدعوات الصادرة عن بعض الفاعلين داخل الأغلبية الداعمة لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والرامية إلى فتح النقاش حول المواد الدستورية المحصنة، إحياء إشكال قانوني وسياسي مركزي يتجاوز الجدل الظرفي، ليطال جوهر النظام الدستوري وحدود الفعل السياسي المشروع داخله.
أولًا: تحصين المأموريات وحدود سلطة المراجعة الدستورية
يميّز الفقه الدستوري تمييزًا صارمًا بين السلطة التأسيسية الأصلية، بوصفها سلطة إنشاء الدستور وتحديد اختياراته الكبرى، والسلطة التأسيسية المشتقة، التي تُمنح صلاحية مراجعته في نطاق محدد ووفق شروط مضبوطة. وتُجمع غالبية الاتجاهات الفقهية على أن هذه السلطة الأخيرة ليست سلطة سيادية مطلقة، بل سلطة مقيدة بقيود إجرائية وموضوعية، في مقدمتها احترام المبادئ التي أراد المشرّع التأسيسي إخراجها صراحة من دائرة المراجعة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم تحصين المأموريات الرئاسية باعتباره قيدًا تقنيًا أو ظرفيًا، بل بوصفه قيدًا موضوعيًا يرمي إلى حماية مبدأ التداول على السلطة، باعتباره أحد أعمدة الشرعية الدستورية والنظام الديمقراطي. وقد ذهب هانس كلسن إلى أن أي تعديل يُفرغ الدستور من توازنه الجوهري لا يُعد تعديلًا حقيقيًا بالمعنى القانوني، حتى وإن استوفى شكله الإجرائي، بينما ميّز كارل شميت بين الدستور باعتباره قرارًا سياسيًا تأسيسيًا، والقوانين الدستورية القابلة للتعديل، واضعًا المبادئ المؤسسة خارج نطاق المراجعة العادية.
وعليه، فإن المساس بتحصين المأموريات لا يمثّل تعديلًا جزئيًا، بل يُفضي إلى تغيير طبيعة العقد الدستوري نفسه، بما يخرج سلطة المراجعة عن حدودها المشروعة.
ثانيًا: القَسَم الدستوري بوصفه التزامًا قانونيًا شخصيًا
يتعقّد الإشكال أكثر عند مقاربته من زاوية القَسَم الدستوري الذي أدّاه رئيس الجمهورية عند توليه مهامه. فالقَسَم، في النظرية الدستورية الحديثة، ليس إجراءً بروتوكوليًا أو تعبيرًا رمزيًا، بل فعل قانوني مُنشئ للالتزام، يُرتّب واجبًا إيجابيًا بحماية الدستور، وواجبًا سلبيًا بالامتناع عن أي سلوك من شأنه تقويضه أو القبول بالمساس بجوهره.
ويكاد الفقه الدستوري المقارن يُجمع على أن رئيس الدولة، بعد أدائه القَسَم، لا يكون مجرد فاعل سياسي، بل يصبح حارسًا للنص الدستوري ولحدوده الموضوعية. ففي فرنسا، كرس المجلس الدستوري مفهوم “الهوية الدستورية” باعتبارها حدًا موضوعيًا لسلطة المراجعة، واعتبر احترامها جزءًا من واجب الولاء الدستوري المفروض على السلطات العليا. وفي ألمانيا، يمنع “بند الأبدية” أي تعديل يمس جوهر النظام الديمقراطي، ويُفسَّر القَسَم الرئاسي هناك باعتباره التزامًا مانعًا لأي دور، مباشر أو غير مباشر، في الالتفاف على هذه المبادئ.
أما في السياق الإفريقي، فقد ذهبت المحاكم الدستورية في دول مثل بنين والسنغال إلى تحميل القَسَم الرئاسي مضمونًا موسّعًا، معتبرة أنه يُنشئ التزامًا بالامتناع عن رعاية أو تطبيع أي مسار سياسي يستهدف المساس بالمحددات الجوهرية للمأموريات، حتى إن لم تصدر المبادرة مباشرة عن رئيس الجمهورية. وفي هذا المنظور، لا يُعد الصمت موقفًا محايدًا متى تعلق الأمر بنصوص محصنة.
ثالثًا: المأموريات المحصنة والحوار الوطني المرتقب
يثير الحديث عن إدراج مسألة المأموريات الرئاسية المحصنة ضمن جدول أعمال الحوار الوطني المرتقب إشكالًا قانونيًا إضافيًا. فالحوار الوطني، مهما بلغت أهميته السياسية أو اتسعت دائرة المشاركين فيه، لا يُنشئ سلطة تأسيسية أصلية، ولا يمكنه أن يسمو على الدستور أو يُعيد التفاوض حول مواده المحصنة. فالحوار، في منطق الدولة الدستورية، أداة لتدبير الاختلاف داخل الإطار الدستوري القائم، لا وسيلة لإعادة صياغة هذا الإطار أو تقويضه.
وإن إقحام هذا الملف في فضاء حواري مفتوح، دون تحديد سقوف قانونية صارمة، من شأنه إضعاف مبدأ سمو الدستور، وتحويل القَسَم من التزام قانوني ملزم إلى تعهد قابل للمساومة السياسية، بما يحمله ذلك من مخاطر حقيقية على الاستقرار المؤسسي وعلى الثقة في قواعد اللعبة الديمقراطية.
رابعًا: مسؤولية النخب وحماية الدستور خارج القضاء
لا يقتصر هذا النقاش على رئيس الجمهورية أو المؤسسات الدستورية الرسمية، بل يمتد ليشمل النخب السياسية والفكرية والإعلامية، بوصفها جزءًا من منظومة الضمانات غير القضائية لحماية الدستور. فالفقه الدستوري المعاصر يعترف بدور هذه الفاعلين في منع التآكل التدريجي للنصوص الدستورية، الذي غالبًا ما يسبق الانتهاك الصريح لها.
ويتمثل الواجب الأول للنخب في التمييز الصارم بين النقاش الأكاديمي المشروع حول تطور النظم السياسية، والنقاش السياسي التعبوي الذي يُطبع فكرة المساس بالمواد المحصنة ويُفرغها من قيمتها الرمزية والملزمة. أما الواجب الثاني، فيكمن في الالتزام بمبدأ الولاء الدستوري، الذي لا يسقط بالانتماء إلى أغلبية أو معارضة، إذ إن أخطر الانتهاكات الدستورية غالبًا ما تُبرَّر من داخل النظام لا من خارجه.
كما يبرز واجب ضبط الخطاب العمومي، والامتناع عن تقديم تأويلات انتقائية أو مُضلِّلة للنصوص الدستورية، لما لذلك من أثر مباشر على الوعي الدستوري للمجتمع. فالتداول السلمي على السلطة ليس أداة سياسية ظرفية، بل قيمة فوق-سياسية تضمن استمرارية الدولة وتوازن مؤسساتها.
وفي الختام
إن تحصين المأموريات الرئاسية في الدستور الموريتاني يُجسّد اختيارًا تأسيسيًا واعيًا، يرمي إلى حماية النظام السياسي من منطق التمديد والتأبيد. كما أن القَسَم الدستوري يُحوّل هذا الاختيار إلى التزام شخصي ملزم لرئيس الجمهورية، لا يقتصر على الامتثال الشكلي للنص، بل يشمل حماية روحه وحدوده الموضوعية.
وفي هذا السياق، فإن معيار النضج الديمقراطي لا يُقاس بمدى قابلية كل شيء للنقاش، بل بالقدرة على إدراك ما يجب إخراجه من دائرة المساومة. فالدساتير لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين تفشل النخب في أداء دورها كحارس معنوي لها. ومن ثم، فإن صيانة تحصين المأموريات ليست دفاعًا عن نص جامد، بل حماية لجوهر الشرعية الدستورية والدولة نفسها.
بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي







