لم تولد مكطع لحجار مدينةً مدللة في حضن الدولة، ولا كانت يومًا مركزًا للنفوذ أو الثروة.
لقد قامت قرب سدٍّ زراعي صغير، كأنها محاولة عنيدة لانتزاع الحياة من قلب العطش، وبقيت لسنوات طويلة تعيش على ما يملكه أهلها من صبر وتضامن أكثر مما تعيش على ما تمنحه الدولة من عناية.
في بداياتها، لم تكن السياسة داخل المقاطعة مهنةً للارتزاق، ولا بابًا مفتوحًا للثروة والنفوذ.
كانت النخب محدودة، والطموحات متواضعة، والمجتمع ما يزال يتحرك بمنطق التوازن الاجتماعي أكثر من منطق الصراع على المواقع.
ورغم أن الحزب الواحد منح المقاطعة تمثيلًا برلمانيًا، وتعاقبت على ذلك التمثيل مجموعات اجتماعية معروفة، فإن التنافس ظل مضبوطًا بسقف غير مكتوب: لا أحد يريد أن يحترق البيت قبل اكتمال بنائه.
ثم دخلت البلاد مرحلة الانقلابات، وغابت المقاطعة عن مراكز القرار، فلم تكن ممثلة في الحكومات، وظلت خارج الدوائر المؤثرة في الدولة.
لكن المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في قلة السكان، ولا في ضعف الحضور الاجتماعي، وإنما في محدودية التعليم العصري، وضمور الطموح السياسي الحديث لدى فئات واسعة من أبناء المقاطعة، الذين بقوا بعيدين عن الإدارة ومؤسسات النفوذ الجديدة.
ومع بداية التعددية السياسية وتجربة البلديات، بدأ وعي جديد يتشكل.
وبرز جيل من الأطر والسياسيين رأى أن السياسة ينبغي أن تكون وسيلة لخدمة المقاطعة لا مجرد طريق للوجاهة الشخصية.
ورغم اختلاف البلديات وتعدد الانتماءات، بقيت تنمية مكطع لحجار هدفًا مشتركًا.
في تلك المرحلة حصلت المدينة على الماء والكهرباء والثانوية، وبدأت تتحسس طريقها نحو الحد الأدنى من الحياة الحديثة.
وكان ذلك ثمرة جهود شخصيات آمنت بأن قيمة السياسي تقاس بما يضيفه للناس، لا بما يراكمه لنفسه من النفوذ.
غير أن التحول الأخطر جاء لاحقًا، حين صعدت إلى المشهد شخصيات لم يكن لها امتداد اجتماعي حقيقي داخل المقاطعة، ولا جذور سياسية راسخة فيها.
لقد وجدت هذه القوى في بعض الشخصيات المحلية، التي لازمها حلم الوصول إلى المناصب منذ زمن الحزب الواحد، فرصة مثالية لبناء نفوذ جديد.
شخصيات لم يكن همّها تنمية المقاطعة بقدر ما كان همها الظفر بموقع انتخابي أو إداري، حتى ولو كان الثمن تفكيك النسيج الاجتماعي وبيع القرار المحلي لمن لا يحمل همّ المدينة.
وهكذا نشأت قاعدة سياسية مصطنعة، لم تتأسس على تاريخ نضالي، ولا على مشروع تنموي، ولا حتى على امتداد شعبي طبيعي، بل تأسست على شراء الذمم، واستغلال الحاجة، وتحويل بعض أبناء المقاطعة إلى سماسرة نفوذ.
وكان أخطر ما في الأمر أن هؤلاء السماسرة لم يكونوا غرباء عن المدينة.
بل كانوا من أبنائها، غير أنهم امتهنوا التطفل السياسي، وتحولوا إلى وسطاء بين النفوذ الخارجي والطموحات المحلية المريضة.
فصاروا يبيعون الولاءات، ويؤجرون المواقف، ويقايضون كرامة الناس بمكاسب ظرفية وعلاوات موسمية.
ومن هنا بدأت المقاطعة تفقد روحها القديمة.
فبعد أن كانت السياسة وسيلةً للمطالبة بالماء والكهرباء والتعليم، أصبحت وسيلةً لتوزيع الامتيازات الضيقة.
وبعد أن كان المنتخب يُقاس بما يحققه للناس، أصبح يُقاس بقدرته على إدارة شبكات الولاء، وشراء الصمت، وإعادة تدوير الطامحين.
أما المواطن البسيط، فقد بقي كما هو:
يشرب الوعود بدل الماء،
وينتظر التنمية كما ينتظر المطر،
ويُستدعى فقط حين يحين موسم الانتخابات.
لقد أصبحت مكطع لحجار ضحية تحالف خفي بين نفوذ يبحث عن موطئ قدم، وطموحات محلية فقدت البوصلة الأخلاقية.
تحالفٌ لم ينتج تنمية، ولا وحدة اجتماعية، ولا مشروعًا جماعيًا، بل أنتج طبقة من المنتفعين الذين يعيشون على إضعاف المدينة لا على بنائها.
ولهذا فإن أزمة مكطع لحجار اليوم ليست أزمة خدمات فقط، بل أزمة معنى.
أزمة مدينة لم تعد تعرف: هل ما تزال مشروع وطن صغير لأهلها، أم تحولت إلى سوق موسمي لتبادل المصالح وشراء الولاءات؟
ويبقى السؤال الذي يطارد الجميع:
متى تستعيد المقاطعة أبناءها الحقيقيين؟
ومتى يظهر جيل يؤمن بأن السياسة مسؤولية لا سمسرة، وأن المدن لا تُبنى بشراء الذمم، بل ببناء الإنسان؟
حمادي سيدي محمد آباتي







