منصة "عين".. من إدارة يصعب الوصول إليها إلى مواطن يمتلك صوتاً مسموعاً

بواسطة عبد الله لبات

عند تقييم أي مشروع إصلاحي، فإن الإنصاف يقتضي ألا تتم مقارنته بالنموذج المثالي الذي نطمح إليه، بل بالواقع الذي جاء لمعالجته. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم منصة "عين" ينبغي أن ينطلق من فهم طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين المواطن والإدارة في موريتانيا قبل ظهورها، ثم قياس ما أضافته من تغيير في تلك العلاقة.

فعلى مدى سنوات طويلة، عانى المواطن الموريتاني من صعوبة النفاذ إلى الإدارة ومن تعقيد الإجراءات وطول مسارات التظلم والمتابعة. وكانت معالجة المشاكل الإدارية تتطلب في كثير من الأحيان تنقلاً متكرراً بين المكاتب والمصالح المختلفة، وانتظاراً طويلاً قد ينتهي دون نتيجة واضحة. ولم يكن المواطن يواجه فقط بطء الإجراءات، بل كان يواجه أيضاً غياب قنوات فعالة تضمن وصول شكواه إلى الجهات القادرة على اتخاذ القرار.

ومع مرور الوقت، ترسخ لدى كثير من المواطنين شعور بعدم جدوى التظلم لدى الإدارة. فأصبح الاعتقاد السائد لدى شريحة واسعة من الناس أن تقديم الشكايات لا يغير الواقع، وأن الوقت والجهد والمال الذي ينفق في متابعة الملفات غالباً ما يضيع دون أثر ملموس. ونتيجة لذلك، نشأت حالة من العزوف عن التظلم الرسمي، وأصبح بعض المواطنين يفضلون التعايش مع الظلم الإداري أو البحث عن وساطات وعلاقات شخصية بدلاً من اللجوء إلى المسارات الإدارية التقليدية.

ولم يكن هذا العزوف دليلاً على رضا المواطنين عن أداء الإدارة، بل كان في كثير من الأحيان تعبيراً عن فقدان الثقة في قدرة الإدارة على الإنصات والاستجابة. وهكذا أصبحت العلاقة بين المواطن والإدارة علاقة يغلب عليها الشعور بعدم التكافؤ؛ فالمواطن كان الطرف الأضعف الذي يطارد الإدارة بحثاً عن حل لمشكلته، بينما كانت الإدارة بعيدة عن المساءلة المباشرة من قبل المتضررين.

كما أن هذا الواقع أوجد بيئة مناسبة لانتشار بعض الممارسات السلبية داخل المرافق العمومية. فحين يصبح الوصول إلى الخدمة أو تسريع الإجراءات رهيناً بالعلاقات الشخصية أو التدخلات أو النفوذ، تتراجع قيم المساواة والشفافية، وتجد بعض شبكات الرشوة والابتزاز الإداري مجالاً للتحرك والاستفادة من حاجة المواطن إلى الخدمة العمومية.

في هذا السياق جاءت منصة "عين" لتشكل تحولاً مهماً في طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة. فالمواطن لم يعد مضطراً إلى التنقل المتكرر بين الإدارات بحثاً عمن يستمع إليه، بل أصبح قادراً على رفع شكواه أو إبلاغه من أي مكان ومتابعة مسار الملف عبر قناة مؤسسية مرتبطة مباشرة بالوزارة الأولى.

ولا تكمن أهمية المنصة فقط في استقبال الشكايات، وإنما في ما وفرته من متابعة ورقابة وتوثيق. فبدلاً من أن تبقى الشكاية حبيسة مكتب أو مصلحة إدارية معينة، أصبحت تدخل في مسار واضح وقابل للتتبع، مما عزز من مستوى المساءلة داخل الإدارات ورفع من درجة الاهتمام بالشكايات المقدمة من المواطنين.

كما ساهمت المنصة في توفير الوقت والجهد والمال على المواطنين، خاصة بالنسبة لسكان الولايات الداخلية الذين كانوا يتحملون أعباء مالية كبيرة في سبيل متابعة ملفاتهم لدى الإدارات المركزية. فالكثير من المعاملات التي كانت تتطلب السفر والانتظار أصبحت اليوم قابلة للمتابعة عبر وسائل رقمية أكثر سهولة وأقل تكلفة.

ومن أهم الآثار التي لا تظهر دائماً في الإحصائيات، الأثر النفسي والمؤسسي الذي أحدثته المنصة داخل الإدارة نفسها. فوجود وسيلة مباشرة يستطيع المواطن من خلالها رفع شكواه إلى جهة عليا خلق مستوى جديداً من الرقابة المعنوية والإدارية. وأصبح الموظف أكثر إدراكاً لاحتمال المتابعة والمساءلة في حال التقصير أو سوء المعاملة، وهو ما ساهم في الحد من بعض السلوكيات السلبية التي كانت تجد في غياب الرقابة بيئة مناسبة للاستمرار.

كما ساهمت منصة "عين" في إعادة الاعتبار لثقافة التظلم القانوني والمؤسسي. فبعد أن كان كثير من المواطنين يعتقدون أن الشكوى لا جدوى منها، بدأت المنصة تعيد الثقة تدريجياً في إمكانية إيصال الصوت إلى الجهات المختصة والحصول على رد أو متابعة. وهذه النتيجة في حد ذاتها تمثل مكسباً مهماً، لأن الإدارة الحديثة لا تقوم فقط على تقديم الخدمات، بل تقوم أيضاً على تمكين المواطن من الاعتراض والتظلم ومراقبة الأداء العمومي.

وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن المنصة قضت على جميع الاختلالات أو أنه لم تعد هناك مشاكل داخل الإدارة. فالإصلاح الإداري عملية مستمرة تحتاج إلى التطوير والتقييم الدائمين. غير أن الحكم الموضوعي يقتضي الاعتراف بأن المنصة عالجت جانباً مهماً من الخلل الذي كان قائماً، والمتمثل في ضعف التواصل بين المواطن والإدارة وغياب آليات فعالة للتبليغ والمتابعة.

إن القيمة الحقيقية لمنصة "عين" لا تقاس فقط بعدد الشكايات المستلمة أو الملفات المعالجة، بل بما أحدثته من تحول في ميزان العلاقة بين المواطن والإدارة. فقد انتقل المواطن من موقع المتلقي العاجز الذي يواجه أبواباً مغلقة وطوابير طويلة إلى موقع الفاعل القادر على إيصال صوته ومتابعة شكواه عبر قناة مؤسسية واضحة. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار منصة "عين" إحدى أهم خطوات تحديث الإدارة الموريتانية وتعزيز الشفافية والرقابة خلال السنوات الأخيرة

 

عبد الله لبات